حين تُصغي الروح
ثَمّة أشياء لا تُقال…
لأن اللغة، مهما اتّسعت، تظلُّ أضيق من أن تحمل ارتجافةَ قلبٍ أدرك الحقيقة للحظة، ثم عجز عن وصفها.
نحن لا نمضي في الحياة كما نظن؛
بل تمضي الحياة فينا، تقتطع من أعمارنا ما تقتطع، وتترك في أرواحنا علاماتٍ لا يراها أحد.
نظن أننا نبحث عن الطريق، بينما الطريق يبحث فينا عن إنسانٍ لم نكن نعرف أنه يسكننا.
ولعلّ أجمل ما في الإنسان ليس ما يُظهره،
بل ذلك الجزء الخفيّ منه؛
الذي يبكي دون أن يراه أحد،
ويغفر دون أن يُطلب منه الغفران،
ويحبّ دون أن ينتظر أن يُكافأ على محبته.
فالروح لا تكبر بكثرة ما تعرف،
بل بقدر ما تتخلّى عن غرورها.
وحين يهدأ ضجيج الأنا، تبدأ الأشياء الصغيرة في الكشف عن أسرارها:
نسمةٌ عابرة، نظرةٌ صادقة، يدٌ تمتدّ في وقتٍ عصيب،
وكلمةٌ حانية قد تُعيد إلى قلبٍ كامل إيمانه بالحياة.
وفي الطريق، نتعلّم أن الفقد ليس دائمًا نهاية،
وأن بعض الغياب حضورٌ من نوعٍ آخر،
وأن الذين يرحلون عن أعيننا قد يتركون في أرواحنا من الضوء ما لا تتركه سنواتٌ كاملة من الحضور.
ولعلّ الله لا يأخذ منّا شيئًا إلا ليُخفّف عن أرواحنا ثقل التعلّق،
ولا يغلق بابًا إلا ليدفعنا إلى بابٍ أعمق في داخلنا.
نحن كثيرًا ما نبكي لأننا لم نفهم الحكمة،
ثم نمضي قليلًا… فنكتشف أن ما حسبناه انكسارًا كان إعادةً لتشكيل أرواحنا.
الحياة ليست أن تصل إلى كل ما تمنيت،
بل أن تصبح، وأنت تمضي، أهلًا لما كُتب لك.
أن تتعلّم الرضا دون استسلام،
والسعي دون جشع،
والحب دون امتلاك،
والرحيل دون كراهية،
والغفران دون أن تنسى الدرس.
وحين تبلغ الروح شيئًا من صفائها،
لا تعود تسأل: ماذا أخذت من الدنيا؟
بل تسأل: ماذا تركتُ فيها من أثرٍ طيّب؟
فليس المجد أن يعرفك الناس،
بل أن يذكرك أحدهم ذات يوم، فيبتسم لأنك مررت ذات صباح من حياته،
وكنتَ له، ولو للحظة، رحمةً في زمنٍ كان قاسيًا.
ثم تفهم أخيرًا أن المحبة ليست أن تجد شخصًا يملأ فراغك،
بل أن تجد روحًا توقظ فيك أجمل ما أودعه الله فيك.
وأن السكينة ليست في أن تخلو الحياة من العواصف،
بل في أن يصبح في داخلك موضعٌ لا تصل إليه العاصفة.
هناك…
حيث لا يبقى بينك وبين الله إلا قلبٌ خاشع،
وصمتٌ طويل،
وإحساسٌ غامض بأنك، رغم كل ما فقدت،
ما زلتَ محاطًا بعنايةٍ لا تراها…
لكن روحك تعرفها.
فاطمئن…
ربما لم تتأخر عن شيء،
وربما لم يضِع منك شيء،
وربما كانت كل الطرق التي أوجعتك
تقودك، في صمتٍ لا تفهمه الآن،
إلى النسخة التي أراد الله لروحك أن تكونها.
وفي آخر الطريق،
حين يسقط عن القلب كل ما ليس له،
لن يبقى إلا الحب…
وما كان لله،
وما كان صادقًا،
وما ترك في الروح نورًا لا ينطفىء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق