حين تثقل الروح
أحيانًا نشعر أن العالم قد وضع ثقله كله فوق القلب…
كأن الروح لم تعد تجد في الجسد متسعًا لكل هذا التعب،
فتبدأ في الهجرة منه قليلًا،
تبتعد عن ضجيج الأشياء،
وتجلس في مكان لا تصل إليه يد الأيام.
تريد أن تبكي…
لكنّها تجاهد الدمعة كي لا تسقط…
ليس خوفًا من البكاء،
بل خشيةَ أن تكون الدمعة مفتاحًا
لبابٍ ظلّت الروح توصدُه منذ زمن.
فبعض الدموع لا تسقط وحدها،
بل تجرّ خلفها ما خبّأناه طويلًا،
وتفتح في القلب أبوابًا
أغلقناها لا لأننا نسينا ما وراءها،
بل لأننا لم نملك يومًا شجاعة مواجهته.
لذلك تبقى الدمعة معلّقةً في العين،
بين رغبةٍ في الانهيار،
وخشيةٍ من أن تنهار معها أشياء
ظلّت الروح متماسكةً كي لا تسقط
وفي أعماق القلب شيء يشدنا إلى الأسفل،
يريدنا أن نغرق في ثقل ما عشناه،
وشيء آخر، أكثر خفاءً،
يمد يده إلينا ويقول:
تحرر…
اترك كل ما أثقل جناحيك،
واذهب إلى فضاء بعيد،
حيث لا سحب تثقل السماء،
ولا غيوم تخبئ الطريق.
هناك…
قمر وحيد،
وسحابة عابرة.
يجلسان في صمت.
لا يسأل القمر السحابة من أين جاءت،
ولا تسأل السحابة القمر إلى أين يمضي.
بينهما فقط ذلك الصمت الغريب
الذي يشبه المعرفة.
نظرة واحدة…
فتسمع ألف حكاية.
ولا كلمة.
كأن بعض الأرواح لا تتحدث باللغة التي نعرفها،
بل بلغة الضوء،
بلغة الغياب،
بلغة الأشياء التي لا تستطيع الشفاه أن تحملها.
وهناك، في ذلك الأفق البعيد،
حيث تضيق حدود الأرض وتتسع السماء،
تبدأ الأرواح في الهجرة…
لا هروبًا من الحياة،
بل عودةً إلى حقيقتها.
تهاجر إلى ملكوت لا تفاخر فيه،
ولا ادعاء،
ولا أقنعة تلمع من الخارج وتخفي خرابًا في الداخل.
ملكوت لا أحد فيه يطلب من الروح أن تكون غير ما هي.
لا قيد يجبرها على الاستسلام،
ولا خوف يطفئ رغبتها في التحليق،
ولا عالم يوقظها كلما حاولت أن تحلم.
هناك…
يستطيع القلب أن يظل وفيًا لحلمه،
حتى لو لم يفهمه أحد.
وتستطيع الروح أن تخلع عنها ما علق بها من غبار الطريق،
وتغتسل في نورها القديم،
ذلك النور الذي كان يسكنها قبل أن تعلمها الحياة كيف تخاف،
وكيف تتظاهر،
وكيف تنسى نفسها كي ترضي العالم.
ربما لهذا تأتي بعض العزلات…
لا لتبعدنا عن الآخرين،
بل لتعيدنا إلينا.
وربما لهذا يبكي القلب في الخفاء،
لأن الدموع ليست دائمًا علامة انكسار؛
أحيانًا تكون طقسًا سريًا من طقوس التطهر.
فدعوا الروح تبكي إن أرادت…
ودعوها تهاجر قليلًا.
لا تمنعوها من الصعود إلى ذلك الفضاء البعيد،
حيث القمر لا يحتاج إلى تفسير نوره،
وحيث السحابة لا تحتاج إلى اعتذار عن عبورها،
وحيث كل روح تجد أخيرًا مكانًا
لا يُطلب منها فيه سوى أن تكون.
هناك…
قد يعود القلب أخفّ.
وقد تستيقظ الروح من تعبها،
وتعرف أن النجاة لم تكن في أن تحمل العالم كله،
بل في أن تعرف متى تضعه جانبًا…
ثم تنظر إلى السماء،
وتتنفس،
وتبدأ من جديد.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق