السبت، 19 سبتمبر 2026

«لم يكن الكون فارغًا»... ثفاء داود

«حين يتكلم الصمت»


 أحيانًا يبدو الكون فارغًا من حول الإنسان؛

تخفت الأصوات، تتباعد الوجوه، ويصبح الصمت أوسع من أن يُحتمل.

فيظن أن الوحدة هي غياب الآخرين،
ولا يخطر له أن بعض الوحدة قد تكون غياب الإنسان عن المعنى الذي يسكنه.

فالله لا يغيب عن الوجود،
ولا يحتجب لأنه بعيد؛
لكن العين قد تضيق عن رؤية ما هو أوسع منها،
وقد يمتلئ القلب بالضجيج حتى يعجز عن سماع ما كان قريبًا منه طوال الوقت.

ولعلّ أقسى ما في العزلة
أن يحيط الإنسان بالخلق ولا يجد فيهم أنسًا،
ثم يكتشف، بعد طول بحث، أن الأنس الذي كان يطلبه في الخارج
كان يُهيّئ قلبه لاكتشافه في الداخل.

وحين تسقط الأشياء واحدًا تلو الآخر،
ويهدأ العالم،
وتنطفئ الرغبة في الركض خلف كل ما هو عابر،
قد يظهر معنى لم يكن ظاهرًا وسط الزحام:

أن بعض الفراغ ليس فراغًا،
بل فسحة.

وأن بعض الغياب ليس فقدًا،
بل كشف.

وأن الصمت الذي يخشاه الإنسان
قد يكون أول الطريق إلى سماع الحقيقة.

وحينها لا يعود السؤال:
«أين الجميع؟»

بل يصبح أعمق:
«كم كان الإنسان بعيدًا عن النور، حتى ظنّ أن الكون من حوله مظلم؟»

فربما لم يكن الوجود يومًا خاليًا من الحضور،

وإنما كانت الحُجُب أثقل من أن تسمح للقلب برؤيته.


وربما لم تكن الوحدة نهاية الطريق…


بل اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان، للمرة الأولى،








ليست هناك تعليقات: