الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

أأنا هذه الطفلة... صفاء داود

 ما زالت تلك الطفلة...

الخجولةُ، البريئةُ،
التي كانت تهربُ حين يكلمها أحد،
وتختبئُ خلفَ صمتها،
كأن العالمَ أكبرُ من قلبها الصغير.

ما زالت هي...

تخجلُ من كلمةٍ جميلة،
وترتبكُ من اهتمامٍ صادق،
وتفرحُ أحيانًا
حتى تبكي من شدّة الفرح.

كبرتُ...
لكنها لم تكبر معي.

ما زالت تسكنُ مكانًا عميقًا في روحي،
تطلُّ أحيانًا من عينيّ،
وتذكرني أنني،
رغم كل ما علّمتني الحياة،
ما زلت أملك قلبًا
يخافُ قليلًا...
ويحبُّ كثيرًا.

ما زالت تلك الطفلة
تجري حين يقترب منها أحد،
ثم تعودُ خجولةً
حين تطمئن.

وما زالت،
حين يأتيها شيءٌ جميلٌ على غير انتظار،
لا تعرف كيف تشكره...
فتبكي.

ربما لم تختفِ تلك الطفلة يومًا،
وربما أنا لا أريد لها أن تختفي.

فهي أجمل ما بقي مني
بعد كل ما مرّ بي...

طفلتي الصغيرة،
التي لم تُفسدها الحياة بعد،
وما زالت تؤمن
أن كلمةً واحدةً من قلبٍ صادق
يمكن أن تجعل العالم
أكثر دفئًا.

أنا هذه الطفلة...

التي كانت تحلم
أن يُخلق قلبها من نور،
حتى تضيء العالم
بالخير والجمال والحبور.

أنا هذه الطفلة
التي كانت تحلم
أن تكون طائرَ الأحلام،
ترفرفُ بجناحيها في كل مكان،
وتعلّم العالمَ لغةَ السلام،
لكي تهدأَ الأطفال،
وتنام،
وتحلمَ بالأحلام.

كانت تحلم
أن يكون قلبها بيتًا للنور،
وأن تحمل في روحها
من الخير ما يكفي
لتمنحه لكل من يحتاجه،
ومن الجمال ما يجعل
حتى الأيام القاسية
أكثر احتمالًا.

كانت تحلم
أن تزرع في القلوب
شيئًا من الطمأنينة،
وأن تكون كلمةً حانية
حين يقسو العالم،
وأن تترك خلفها
أثرًا جميلًا
يشبه النور حين يعبر العتمة.

كبرتُ...
وتغيّرت أشياء كثيرة،
وعلّمتني الحياة
أن العالم ليس دائمًا رحيمًا،
وأن بعض الأحلام
تتعب من الانتظار،
وأن بعض القلوب
لا تعرف كيف تحافظ
على الأشياء الجميلة.

لكنها بقيت...

بقيت تؤمن بالنور،
وبأن الخير لا يفقد قيمته
حتى حين يقلّ حولنا،
وبأن الجمال يستحق أن نحميه،
وبأن السلام
ليس حلمًا ساذجًا،
بل أمنية تستحق
أن نحملها في قلوبنا.

ما زالت تلك الطفلة
تسكنني...

وما زلت أريد أن أحميها،
لا من العالم فقط،
بل من أن تصبح يومًا
شيئًا لا يشبهها.

أريدها أن تبقى خجولةً إن أرادت،
وبريئةً إن استطاعت،

وحساسةً لهذا العالم،

تفرح من الأشياء الصغيرة،

وتبكي حين يعجز قلبها

عن حمل الفرح.


أريد أن يبقى في قلبها

ذلك النور الذي حلمت به،

وأن تظل قادرةً

على رؤية الجمال

حتى حين يختبئ،

وعلى اختيار الخير

حتى حين يكون الطريق إليه أصعب.


أنا هذه الطفلة...


لم أكبر عنها،

بل كبرتُ وهي تكبر في داخلي.


وكلما أتعبتني الحياة،

أعود إليها...


إلى قلبها الصغير،

إلى أحلامها،

إلى جناحي طائر الأحلام

الذي أراد يومًا

أن يرفرف فوق العالم،

وينشر السلام،

ويمنح الأطفال

ليلًا هادئًا

وأحلامًا جميلة.

أنا هذه الطفلة...


وما زلت أحلم معها

أن يكون قلبي من نور،

وأن يكون في وجودي

خيرٌ كثير،

وجمالٌ كثير،

وحبورٌ كثير،

وسلامٌ كثير...


لأن العالم لا يحتاج إلى نورٍ قليل،

ولا إلى خيرٍ قليل،

ولا إلى جمالٍ قليل.


العالم يحتاج إلى قلوبٍ

تؤمن أن النور ممكن،

وأن الخير ممكن،

وأن الجمال ممكن،

وأن السلام ممكن.


وأنا...


ما زلت تلك الطفلة

التي تؤمن. ❤️













ليست هناك تعليقات: