الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

العودة إلى المدرسة... الانضباط نعم، والإقصاء لا... صغاء داود

 

العودة إلى المدرسة... الانضباط نعم، والإقصاء لا

مع بداية كل عام دراسي يعود الحديث عن الزي المدرسي، وقصات الشعر، والمظهر العام للطلاب والطالبات. وهو حديث يبدو في ظاهره عن الملابس والشعر، لكنه في الحقيقة حديث عن الانضباط والذوق العام والتربية واحترام المدرسة.

ومن حق المدارس أن تضع قواعد واضحة للزي والمظهر، وأن تبلغ بها أولياء الأمور عند تقديم الملفات وقبل بداية العام الدراسي بوقت كافٍ. ومن حق الأسرة أن تعرف هذه القواعد وأن تساعد المدرسة في تطبيقها.

لكن الانضباط شيء، وحرمان الطالب من التعليم شيء آخر تمامًا.

فقد شاهدنا في الفترة الأخيرة نقاشًا حول الطالب الذي حضر إلى المدرسة مرتديًا الشبشب. وقد يرى البعض أن الأمر مجرد مخالفة للزي، بينما يراه آخرون مسألة تتعلق بالذوق والمظهر واحترام المدرسة.

وفي رأيي، علينا أن نفرق بين الأمرين.

نعم، من حق المدرسة أن تقول للطالب إن الشبشب ليس زيًا مناسبًا للمدرسة، وأن تطلب منه الالتزام بالحذاء المحدد في قواعد الزي المدرسي. ونعم، على الأسرة أن تنتبه إلى هذه التفاصيل وألا تترك أبناءها يذهبون إلى المدرسة بأي ملابس لمجرد أنها مريحة أو عصرية.

لكن إذا حضر الطالب بالشبشب، فهل الحل أن نمنعه من دخول المدرسة؟

لا.

يُسجل الأمر كمخالفة، ويتم التواصل مع ولي الأمر، ويُطلب من الطالب الالتزام في اليوم التالي، ويمكن تطبيق الجزاء التربوي الذي تسمح به اللوائح. أما أن يتحول الزي إلى سبب لمنع الطالب من تلقي دروسه، فهنا نكون قد ابتعدنا عن الهدف الأساسي من المدرسة.

والأمر نفسه ينطبق على قصات الشعر.

الشعر لا ينمو في يوم وليلة. فإذا جاء الطالب بقصة غير مسموح بها، فلا يمكن أن نطالبه بأن يعيد شعره إلى الشكل المطلوب في لحظتها. يمكن تنبيهه وإخطار أسرته وإلزامه بتصحيح المخالفة، ويمكن أن يُسمح له خلال الفترة الانتقالية بارتداء كاب مناسب إذا كانت قواعد المدرسة تسمح بذلك، لكن لا ينبغي أن يُحرم من التعليم بسبب مخالفة في المظهر.

وكذلك الطالب الذي يتأخر عن طابور الصباح.

لقد رأيت بنفسي في العام الماضي طلابًا يقفون أمام إحدى المدارس بسبب التأخر عن الطابور، وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا لو تعرض طالب للخطر وهو خارج أسوار المدرسة؟

نعم، التأخير مخالفة ويجب أن يحاسب عليها الطالب، لكن العقوبة يجب أن تكون داخل المدرسة. المدرسة مسؤولة عن الطالب بمجرد وصوله إليها، ولا ينبغي أن يتحول تطبيق الانضباط إلى ترك أبنائنا في الشارع.

وهنا نصل إلى القضية الأهم: ماذا نريد من المدرسة؟

هل نريد مدرسة تفتش فقط عن قصة الشعر والحذاء والشبشب؟ أم نريد مدرسة تعلم أبناءنا لماذا يجب أن يكون مظهرهم لائقًا، ولماذا يجب أن يحترموا المكان، ولماذا لا تليق بعض الملابس بالمدرسة؟

أنا مع الانضباط، ومع الزي المدرسي، ومع المظهر اللائق، ومع منع الملابس الممزقة والشورت وغيرها من الملابس التي لا تتناسب مع طبيعة المدرسة.

لكنني أيضًا مع الإنسانية والحكمة والتدرج في العقوبة.

وللأسرة هنا دور لا يقل عن دور المدرسة.

يا أولياء الأمور، لا تنتظروا أن تعلم المدرسة أبناءكم كل شيء. علموهم في البيت أن لكل مكان ملابس تليق به. المدرسة ليست الشاطئ، وليست النادي، وليست الشارع.

علموا أبناءكم أن الأناقة لا تعني المبالغة، وأن الحرية لا تعني أن يرتدي الإنسان ما يشاء في أي مكان، وأن احترام المكان جزء من احترام النفس.

وعلموهم أيضًا أن الكلمات البذيئة، والمظاهر الغريبة، والملابس التي لا تتناسب مع الذوق العام، ليست دليلًا على التقدم أو الاستقلالية.

نحن لا نريد أن نحارب أبناءنا، بل نريد أن نربيهم.

ومصر التي كانت يومًا منبعًا للموضة والأناقة والجمال، وكانت صور بناتها وأبنائها تحمل قدرًا كبيرًا من البساطة والرقي، تستطيع أن تستعيد هذا المعنى.

مصر لم تكن تحتاج إلى أن تقلد باريس كي تكون أنيقة؛ بل كانت في أوقات كثيرة تصنع ذوقها الخاص، وكانت الأناقة المصرية معروفة ببساطتها ورقيها.

ولذلك فإن العودة إلى الانضباط المدرسي يمكن أن تكون فرصة للعودة إلى شيء أكبر: العودة إلى الذوق.

ورسالة إلى المدارس:

كونوا حازمين، لكن لا تكونوا قساة.

طبقوا القواعد، لكن لا تجعلوا المخالفة سببًا لإبعاد الطالب عن المدرسة.

من جاء بالشبشب، عالجوا الأمر تربويًا.

ومن جاء بقصة شعر مخالفة، أعطوه فرصة لتصحيحها.

ومن تأخر عن الطابور، حاسبوه داخل المدرسة، ولا تتركوه في الشارع.

فالمدرسة مكان للتربية قبل أن تكون مكانًا للعقاب.

ورسالة إلى وزير التربية والتعليم:

نحن مع عودة الانضباط، ومع الزي الموحد، ومع المظهر الذي يليق بالمدرسة، لكننا نحتاج إلى التأكيد على أن حق الطالب في التعليم وسلامته لا يسقطان بسبب مخالفة في الزي أو المظهر أو التأخر عن الطابور.

ليكن هناك انضباط، ولكن ليكن انضباطًا آمنًا وعادلًا وتربويًا.

وفي النهاية، رسالة إلى أبنائنا:

ليس عيبًا أن تكون أنيقًا.

ليس عيبًا أن ترتدي ما يناسب مدرستك.

ليس عيبًا أن تحترم قواعد المكان الذي تتعلم فيه.

الجمال الحقيقي ليس في قصة شعر غريبة، ولا في بنطلون ممزق، ولا في كلمة نابية، ولا في تحدي القواعد.


الجمال في الرقي، والرقي في الأخلاق، والأناقة في احترام النفس والآخرين.


فلنعد إلى المدرسة بانضباط...

ولكن أيضًا بالحب والاحترام والرحمة.

ولنعلم أبناءنا أن أجمل ما يمكن أن يرتديه الإنسان ليس قميصًا أو حذاءً، وإنما الأخلاق.




ليست هناك تعليقات: