الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

سر الاختيار و حرية الروح ... صفاء داود

ربما كانت حرية الروح أعمق من أن نترك من نحب يرحل، وأصعب من أن نمنحه جناحيه.

فثمة سؤال يظلّ معلقًا في القلب:

لماذا نختار هذا تحديدًا؟
من بين كل الوجوه، لماذا يتوقف القلب عند وجهٍ واحد؟
ومن بين كل الأرواح، لماذا نشعر أحيانًا أن روحًا ما تنادينا من مكان لا نعرفه؟

يقال إن الأرواح تنجذب إلى من يشبهها…

لكنني أتساءل:
هل كل من ننجذب إليه يشبهنا حقًا؟

أم أن بعض الأرواح لا تأتي لتشبهنا، بل لتكشف لنا شيئًا فينا لم نكن نراه؟

ربما ننجذب أحيانًا إلى من يشبه حلمًا قديمًا في داخلنا، لا إلى حقيقته.
إلى صورة رسمناها له قبل أن نعرفه.
إلى كلمة قالها في الوقت الذي كنا فيه أكثر احتياجًا إليها.
إلى إحساس أيقظه فينا، فظننا أن مصدره هو الشخص، بينما كان جزءًا نائمًا في أرواحنا واستيقظ.

ولهذا قد نختار أحيانًا الشخص الخطأ.

ليس لأن أرواحنا لا تعرف…
ولكن لأن الإنسان لا يرى الآخر بعينيه فقط، بل يراه أيضًا من خلال احتياجاته، وذاكرته، وخوفه، وأحلامه، وما ينقصه.

وقد نسمّي التعلّق حبًا،
والخوف اهتمامًا،
والاحتياج قدرًا،
والانجذاب دليلًا على أن هذا هو الشخص الذي كُتب لنا.

ثم نكتشف بعد وقت أن القلب قد ينجذب إلى ما يؤذيه، لا لأنه يحب الأذى، بل لأنه لم يتعلم بعد كيف يميّز بين ما يوقظ مشاعره وما يمنح روحه الأمان.

فليس كل انجذاب قدرًا،
وليس كل شوق علامة،
وليس كل من لمس قلبك جديرًا بأن تسلمه مفاتيحه.

هناك من يأتي إلى حياتنا ليبقى،
وهناك من يأتي ليعلّمنا كيف نختار بعده.

وربما يكون بعض الأشخاص «خطأ» في أعيننا، لكن وجودهم كان سؤالًا ضروريًا في طريقنا:
ماذا أريد؟
ماذا أستحق؟
وأين تنتهي حريتي وتبدأ حدود الآخر؟
وهل أحب هذا الإنسان كما هو، أم أحب الصورة التي صنعتها له في داخلي؟

حرية الروح لا تعني أن نترك كل شيء يذهب.

تعني أيضًا أن نملك شجاعة أن نقول:
هذا الحب يؤذيني…
وهذه العلاقة تصغرني…
وهذا القرب لا يشبه السلام الذي أبحث عنه.

فالحب الحقيقي لا يطلب مني أن أخسر نفسي كي لا أخسر شخصًا.

وربما أجمل ما نتعلمه مع الوقت،
أن اختيار الآخر ليس هو الاختيار الوحيد المهم…

هناك اختيار آخر أكثر عمقًا:

أن أختار نفسي حين يصبح البقاء مع أحدهم خيانةً لروحي.

وأن أفهم أخيرًا أن الروح الحرة لا تبحث فقط عمّن تنجذب إليه…

بل عمّن تستطيع أن تكون معه نفسها،
دون خوف،
دون قفص،
ودون أن تضطر إلى كسر جناحيها كي تبقى. 🪽🤍



ليست هناك تعليقات: