الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

إلى صديقتي… التي أتعبها أن تكون بخير دائمًا

إلى صديقتي… التي أتعبها أن تكون بخير دائمًا

أعرفكِ…

يا من تمشين بين الناس بقلبٍ مفتوح،

وتخبئين خلف ابتسامتكِ حدائقَ كاملةً من التعب.

تمنحين الجميع من دفء روحكِ،

تسمعين حكاياتهم حتى آخر وجعٍ فيها،

وتعرفين كيف تربتين على قلوبهم حين تضيق،

ثم تعودين إلى وحدتكِ

كمن أعاد آخر شمعةٍ في يده إلى بيتٍ بعيد،

ومشى في العتمة وحده.

كم مرة قلتِ: «لا بأس»

وكان في قلبكِ ألفُ «بلى»؟

كم مرة ابتسمتِ

كي لا تفسدي على أحدٍ فرحه،

وكم مرة أخفيتِ انكساركِ

لأنكِ لم تجدي الوقت المناسب لتكوني أنتِ؟

أنتِ التي اعتادوا منكِ العطاء،

حتى ظنوا أن خزائنكِ لا تنفد.

ولم يسأل أحدٌ بما يكفي:

من يملأ قلبَ التي تملأ قلوبَ الآخرين؟

يا صديقتي…

ليس عليكِ أن تكوني ملاكًا طوال الوقت.

حتى الملائكة، في خيالنا، لها أجنحةٌ تتعب من طول التحليق.

ضعي عنكِ قليلًا ذلك الحمل الذي حملتِه باسم المحبة،

وتوقفي عن إنقاذ الجميع

بينما يوشك قلبكِ أنتِ على الغرق.

لا تجاملي حزنكِ.

دعيه يجلس إلى جواركِ قليلًا،

فربما لم يأتِ ليهزمكِ،

ربما جاء فقط

ليقول لكِ إن شيئًا في داخلكِ يحتاج إلى أن يُسمع.

وأنا هنا.

لا أريد منكِ أن ترتبي حزنكِ قبل أن تأتي،

ولا أن تنتقي من وجعكِ ما يصلح للحكاية.

تعالي كما أنتِ…

بكلماتكِ المبعثرة،

بصمتكِ الطويل،

بدمعةٍ لم تجدي لها اسمًا،

وبذلك التعب الذي تقولين عنه: «لا أعرف لماذا».

سأستمع لكِ حتى في صمتكِ.

فالصمت، أحيانًا، لغةٌ لا يفهمها إلا من أحبّ أن يبقى.

تعالي نترك القلب حافيًا…

نخلع عنه ما ارتداه طويلًا من خوفٍ ومجاملةٍ وصبر،

ونتركه يمشي قليلًا على عشب الربيع،

يلمس الندى،

ويستعيد شيئًا من دهشته الأولى.

تعالي…

وحين يثقل عليكِ الوجع،

لا تحمليه وحدكِ.

نحمله معًا قليلًا،

ثم ننشده.

نعم، ننشده…

حتى لا يبقى الحزن حجرًا في أعماقنا،

بل أغنيةً تعرف طريقها إلى السماء.

وربما لا أستطيع أن أعدكِ بأنني سأعرف كيف أداوي كل ما يؤلمكِ،

لكنني أستطيع أن أعدكِ بشيءٍ أعمق:

لن أخاف من حزنكِ.

لن أطلب منكِ أن تكوني أقوى مما تستطيعين،

ولن أستعجل دمعتكِ كي أراكِ تبتسمين.

سأبقى.

أجلس إلى جواركِ حين تتكلم الكلمات،

وحين تتعب الكلمات،

وحين لا يبقى منها شيء.

فبعض القلوب لا تحتاج إلى من ينقذها…

تحتاج إلى قلبٍ آخر

يجلس بقربها

حتى تتذكر وحدها

كيف تنبض.

وأنتِ…

حين تنسين كيف تنبضين،

تعالي.

سنترك القلب حافيًا،

ونمشي…

وفي أول ربيعٍ يمر بنا،

سننشد معًا. 




إلى صديقتي… حين يتعب القلب من المجاملة

 

إلى صديقتي… حين يتعب القلب من المجاملة

أعرفكِ…

أعرف ذلك القلب الذي يشبه نافذةً مفتوحة في وجه الجميع، يدخل منها العابرون بدفئهم، ويتركون عليها شيئًا من تعبهم، ثم يمضون… دون أن يسأل أحد: ومن يمسح عن هذه النافذة غبار الأيام؟

أعرف أنكِ تجاملين كثيرًا، وتبتسمين في المواضع التي كان يحق لكِ فيها أن تبكي، وتقولين: «لا بأس» بينما في داخلكِ أشياء كثيرة تقول: بل هناك بأس… كثير.

تفعلين للآخرين ما تتمنين، في سرّك، أن يفعله أحد لكِ.

تسمعين الجميع، حتى الذين لا يعرفون كيف ينصتون إليكِ.
تحتوين ارتباكهم، وتخففين خوفهم، وتتركين لكل قلبٍ مكانًا عندكِ… ثم تعودين إلى وحدتكِ، حاملةً كل ما لم يجد له مكانًا في قلب أحد.

وربما كانت مشكلتكِ أنكِ اعتدتِ أن تكوني الملجأ، حتى نسي الجميع أن للملجأ بابًا يحتاج أحيانًا إلى أن يُطرق.

لكن اسمعيني…

ليس عليكِ دائمًا أن تكوني بخير.
ليس عليكِ أن تشرحي صمتكِ، ولا أن تبرري انطفاءكِ، ولا أن ترتدي ابتسامتكِ كلما ثقل عليكِ العالم.

تعالي كما أنتِ.

بكل ما فيكِ من كلامٍ لم يُقل، ودمعٍ أخّرتِه، وأسئلةٍ لم تجدي لها جوابًا، وأيامٍ كنتِ فيها قويةً فقط لأنكِ لم تجدي من يسمح لكِ بأن تكوني ضعيفة.

أنا هنا.

لا لأصلحكِ، فأنتِ لستِ شيئًا معطوبًا.
ولا لأعطيكِ أجوبةً جاهزة، فبعض الأسئلة لا تُشفى بالإجابات.

أنا هنا لأستمع لكِ…

حتى حين لا تقولين شيئًا.

سأستمع إلى صمتكِ كما أستمع إلى حديثكِ، إلى ارتباك صوتكِ، إلى تلك المسافة الصغيرة بين «أنا بخير» والحقيقة التي تختبئ خلفها.

تعالي نترك القلب حافيًا قليلًا…

دون أن نطالبه بأن يفهم كل شيء، أو أن يكون قويًا طوال الوقت.

نتركه يمشي معنا في الربيع، يلامس العشب بنداه، وينشد ما بقي فيه من أغنية.

وحين يثقل عليكِ الوجع، لا تحمليه وحدكِ.

تعالي ننشد معًا.

فربما لا نحتاج دائمًا إلى من ينتشلنا من الحزن؛
ربما نحتاج فقط إلى يدٍ لا تترك يدنا ونحن نعبره.

وأنا لا أعدكِ بأنني سأملك الكلمات التي تداوي كل شيء…

لكنني أعدكِ بشيءٍ أبسط وأصدق:

حين تضيق بكِ نفسكِ، ستجدينني هنا.

وحين تعجز الكلمات، سنصمت معًا.

وحين يبكي قلبكِ، لن أطلب منه أن يتوقف.

سأجلس إلى جواره حتى يهدأ.

فبعض الأرواح لا تحتاج إلى من ينقذها…

تحتاج إلى من يراها.

وأنا أراكِ.

وأنا أراكِ.

أراكِ حين تبتسمين كي لا يقلق أحد،
وحين تصمتين لأن الكلام لم يعد يتّسع لكل ما فيكِ.

فلا تخافي من أن تكوني كما أنتِ أمامي؛
بعض الأرواح لا تحتاج إلى كثير من الكلام،
يكفيها أن تجد روحًا أخرى
تجلس إلى جوارها… ولا ترحل.

تعالي،
لنترك للقلب أن يكون قلبًا،
وللروح أن تستريح قليلًا من كل ما حملت.

وحين يثقل عليكِ الوجع،
سننشد معًا…
حتى يعود في القلب متّسعٌ للربيع.






الاثنين، 10 أغسطس 2026

همسات روح .... الكلام ما اسهله

همسة


الكلام... ما أسهله حين يكون وجع الآخرين.


نجلس على ضفة الألم، ونلقي على الغريق دروسًا في السباحة، كأننا لو كنا مكانه لما ابتلعنا الموج، وكأن الكلمات التي نقولها قادرة على أن تهزم قدرًا لم نعشه، أو تمحو جرحًا لم ينزف في أرواحنا.


نحن بارعون في تفسير ما لا يؤلمنا، وفي منح الآخرين مفاتيح لأبواب لم نقف يومًا خلفها.


لكن حين يدور الزمان دورته، ويضعنا في الموضع ذاته، تتغير الأشياء... نكتشف أن بعض الكلام، مهما كان صادقًا، يصبح ثقيلًا حين يأتي فوق قلبٍ أنهكه الاحتمال.


هناك لحظات لا يريد فيها الإنسان نصيحة، لأنه يعرف ما ينبغي أن يفعله، لكنه لا يملك القوة ليفعله.


ولا يريد إجابة، لأنه لم يسأل سؤالًا أصلًا.


يريد فقط من يجلس إلى جواره دون أن يحاول إصلاحه.


من يحتمل صمته دون أن يفسره، ودمعته دون أن يستجوبه، وانكساره دون أن يطالبه بأن يبدو قويًا.


فأحيانًا، لا يكون المطلوب أن تُخرج إنسانًا من عتمته، بل أن تدخلها معه دون أن تخاف من ظلامها.


أن تجلس قرب ألمه، لا لتطفئه، بل لتقول له بصمت: لست وحدك.


فبعض الأرواح لا تحتاج إلى يدٍ تسحبها من القاع، بل إلى روحٍ تجلس بجوارها هناك... حتى تتذكر وحدها أن في داخلها نورًا لم ينطفئ.


نحن لا نحتاج دائمًا إلى من يدلّنا على الطريق؛ أحيانًا نحتاج إلى من يمشي معنا قليلًا، حتى نستعيد قدرتنا على رؤيته.


وما أعمق الإنسان حين يتوقف عن محاولة إصلاح الآخرين، ويبدأ في الإصغاء إليهم...


فقد يكون الإصغاء في بعض الأحيان أقدس من الكلام،

وقد يكون الحضور الصادق دعاءً لا يُسمع،

وقد تكون ربّتةٌ على روحٍ متعبة أبلغ من ألف نصيحة.


فالقلوب لا تُفتح بالمفاتيح التي نحملها في أفواهنا...

بل بالأمان الذي نحمله في حضورنا

صفاء داود 




الأحد، 9 أغسطس 2026

في اليوم العالمي للقطط ....للقطط حكاية لا تشبه الحكايات

في اليوم العالمي للقطط 


للقطط حكاية لا تشبه الحكايات…

تأتي إلى حياتنا بخطوات هادئة، وكأنها لا تريد أن تزعج شيئًا في هذا العالم، ثم تستقر في القلب دون استئذان.


في عيونها شيء من الطمأنينة، وفي موائها حكايات صغيرة لا يفهمها إلا من أحبّها حقًا.

تجلس بجوارنا حين تضيق بنا الأيام، وتقترب دون سؤال حين نشعر بالوحدة، وكأنها تقول لنا بطريقتها: أنا هنا.


يا تلك الكائنات الصغيرة التي لا تطلب كثيرًا…

قليل من الطعام، مكان دافئ، لمسة حانية، وقلب لا يؤذيها.


في يومها العالمي، ليتنا نتذكر أن الرحمة لا تحتاج إلى لغة، وأن الرفق بالحيوان ليس مجرد فعل جميل، بل علامة على قلب يعرف معنى الإنسانية.


كل عام وكل قطة آمنة، دافئة، محبوبة…

وكل قلب وجد في قطة صغيرة صديقًا لا يتكلم، لكنه يفهم.


في اليوم العالمي للقطط… ماذا عن الإنسان؟ 🐾🤍


في اليوم العالمي للقطط، نتوقف لحظة أمام معنى جميل اسمه الرفق.


رفقٌ بكائن ضعيف لا يستطيع أن يخبرنا أين يؤلمه، ولا أن يشرح لنا خوفه، ولا أن يطلب منا سوى قليل من الأمان.


لكنني أتساءل…


إذا كان العالم قد أنشأ يومًا للرفق بالحيوان، فأين يوم الرفق بالإنسان؟


أين الرفق بطفلٍ اغتيلت براءته قبل أن يعرف معنى الحرب؟

أين الرفق بامرأة تحمل فوق قلبها خوفًا على أبنائها وأسرتها؟

أين الرفق بشابٍ وجد نفسه في عالم يحاصره اليأس، وتتنازعه أشكال مختلفة من العنف والضياع؟

وأين الرفق بالأسرة التي تحاول أن تبقى متماسكة، بينما تتساقط حولها أشياء كثيرة لا تُرى بالعين؟


فالحرب ليست دائمًا دبابةً أو صاروخًا.


هناك حروب أخرى أكثر هدوءًا…

حروب تستنزف الإنسان من الداخل، وتسرق من الشباب أحلامهم، ومن الأطفال أمانهم، ومن النساء طمأنينتهن، ومن الأسر دفئها.


حروب قد تأتي في صورة عنف، أو إهمال، أو استغلال، أو إدمان، أو تنمر، أو كراهية، أو عزلة، أو خطاب يُقنع الإنسان بأن الآخر عدوّه.


وقد تكون أقسى الحروب تلك التي لا نسمع أصواتها، لكنها تهدم الإنسان ببطء.


لذلك، ربما لا يكفي أن نتعلم كيف نرفق بقطة جائعة أو نؤوي حيوانًا خائفًا، رغم أن ذلك نبيل وجميل…


بل علينا أن نسأل أنفسنا:


هل نرفق بالإنسان أيضًا؟

هل ننتبه إلى طفل صامت يخفي خوفه؟

هل نمد أيدينا إلى شاب يكاد يسقط؟

هل نصغي إلى امرأة أنهكها الحمل والخوف والمسؤوليات؟

هل نحافظ على أسرنا من القسوة التي تتسلل إليها بصمت؟


إن الرحمة لا ينبغي أن تكون انتقائية.


القلب الذي يتعلم ألا يؤذي مخلوقًا ضعيفًا، ينبغي أن يتعلم أيضًا ألا يكسر قلب إنسان.


في عالم يكثر فيه الصخب والعنف، ربما يكون أعظم فعل مقاومة هو أن نختار الرحمة.


أن نكون أكثر لطفًا…

أكثر إنصاتًا…

أكثر احتواءً…

وأقل قسوة.


فالقطط تحتاج إلى مأوى،

والطيور تحتاج إلى سماء آمنة،

لكن الإنسان أيضًا يحتاج إلى مكان يشعر فيه أنه محبوب، وآمن، وله قيمة.


وفي يوم الرفق بالقطط، لعل الرسالة الأوسع التي نحتاج أن نتذكرها هي:


ارفقوا بكل حي…

فالرحمة التي لا تصل إلى الإنسان، لم تكتمل بعد.

صفاء داود


🤍🐾 



همسة صباحية.ّ..نصف لقاء

 همسة صباحية...


ليس كل ما يسكن القلب كُتب له أن يصل،

وليس كل من أحببناهم كان نصيبنا أن نمضي معهم إلى آخر الطريق

لذلك، ربما علينا أن نكون أكثر شجاعة...

أن نغيّر الطريق حين يكون اللقاء يستحق،

أو نملك شجاعة الرحيل حين نكتشف أن الطريقين لا يريدان أن يلتقيا.

فليس المهم أن نصل إلى من نحب دائمًا،

بل أن نعرف متى نغيّر اتجاهنا،

ومتى نترك للروح أن تعرف وحدها كيف تمضي.


نصف لقاء


أحبته...


وكان الحب بينهما غريبًا؛

كأنهما يسيران في طريقين متوازيين، يريان بعضهما بوضوح، ويشعر كلٌّ منهما بخطوات الآخر، لكن بين الطريقين مسافة لا تُرى... ولا تُقطع.


لم يكن ينقصهما الحب،

ربما كان ينقصهما شيء آخر لا اسم له.


شيءٌ في القدر كان يقول:

اقتربا بما يكفي لتعرفا معنى الشوق،

وابتعدا بما يكفي كي لا تعرفا معنى الوصول.


فكان يمضي في طريقه،

وتمضي هي في طريقها،

والحب بينهما يمشي في المنتصف...

كروحٍ ثالثة لا تجد مكانًا تسكن فيه.


وما أقسى أن تحب إنسانًا ولا يكون بينك وبينه جدار،

ومع ذلك لا تستطيع الوصول إليه.


أن يكون قريبًا من قلبك إلى الحد الذي تسمع فيه صمته،

وبعيدًا عن يديك إلى الحد الذي يصبح فيه اللقاء أمنية.


كانت تعرف أن بعض الطرق لا تنتهي عند باب،

بل عند آخر كهف في الروح...

حيث لا يصل أحد،

وحيث تبقى الأشياء التي لم تحدث أكثر حضورًا من كل ما حدث.


ومضت السنوات،

ولم يتغير الطريقان.


كلما ظنت أن المسافة ستضيق،

اكتشفت أن الحياة كانت ترسمهما بالاتجاه نفسه...

لا نحو بعضهما،

بل إلى ما لا نهاية.


ربما لهذا كان حبها له موجعًا إلى هذا الحد؛

لأنها لم تخسره يومًا،

ولم تملكه يومًا.


ظل بينهما ذلك الشيء الغامض،

الذي لا تستطيع أن تسميه فراقًا،

ولا تستطيع أن تسميه لقاءً.


فقط حب...

يمشي بمحاذاة حب آخر،

حتى آخر الطريق.


وربما بعض البشر لا يأتون إلى حياتنا ليكونوا لنا،

بل ليكشفوا لنا عمقًا في أرواحنا

لم نكن نعرف أنه موجود.


نحبهم...

ثم نمضي.


لكن شيئًا منهم يظل يسير في الطريق الموازي داخلنا،

ولا يصل،

ولا يبتعد،

ولا يموت.


صفاء داود 

أثر روح


نصف_لقاء #ترانيم_روح #صفاء_داود #حب #أرواح #وجدان #أثر #خواطر #بوح #مشاعر #نصوص_تأمل




السبت، 8 أغسطس 2026

إلى الرجل الذي أرهقته طيبته

و كفاية تكون إنسان فى زمان طيبة القلب بتتعيب يا طيب 


إلى الرجل الذي أرهقته طيبته


ليست هذه الكلمات استرجاعًا لذكرى، ولا حنينًا إلى تجربة مضت، بل هي شهادة حق لكل رجلٍ حمل قلبًا نقيًا في زمنٍ عزَّ فيه الوفاء. هي رسالة إلى كل من أُهين صدقه، واستُغل إخلاصه، وظن يومًا أن طيبته كانت سبب خسائره.


قبل سنوات، كُتب نصٌّ بعنوان «بيع القلب»، صوّر قلبًا أثقله الوجع حتى بدا وكأنه معروضٌ في مزاد، لا لأنه فقد قيمته، بل لأن صاحبه لم يعد يحتمل ما يحمله من خيبات. لم يكن ذلك النص يحكي قصة شخص بعينه، بل كان يعبّر عن حالة إنسانية يمر بها كثيرون، حين يختلط عليهم الألم حتى يظنوا أن المشكلة في قلوبهم، لا فيمن أساء إليها.


لكن الزمن يكشف دائمًا ما تعجز اللحظة عن رؤيته. فالقلب الطيب لم يكن يومًا موضع الاتهام، ولم يكن نقاؤه هو سبب انكساره، بل كانت المشكلة في أيدٍ لم تعرف قيمة الوفاء، ولم تُحسن حفظ ما وُهب لها.


إليك... يا صاحب القلب الذي لم يصدأ.


أعلم أن الحياة أثقلتك، وأن الخذلان ترك في روحك ندوبًا لا يراها أحد. وأعلم أن لحظاتٍ كثيرة راودك فيها شعورٌ بأن طيبتك كانت ثغرة، وأن صدقك كان ضعفًا استغله الآخرون.


لكن الحقيقة غير ذلك.


فالندم على النبل هو الخسارة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها. لأنك إن خسرت بعض الناس، فقد تكسبهم الأيام، أما إن خسرت إنسانيتك فلن يعيدها إليك شيء.


لقد قيل يومًا عن هذا القلب إنه «عمره ما هيتوب»، واليوم أرددها بيقينٍ أكبر: إياك أن تتوب عن إنسانيتك.


أن تبقى رحيمًا بعد كل طعنة، وأن تظل وفيًا رغم الخذلان، وأن تختار الصدق في زمن التلوّن... فهذه ليست سذاجة، بل شجاعة لا يمتلكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة.


فالقوة ليست في أن تتقن الإيذاء، ولا في أن ترد الإساءة بالإساءة، بل في أن تمتلك القدرة على البقاء نقيًا، بينما يحاول العالم أن يقنعك بأن النجاة لا تكون إلا بالتشبه بالقساة.


إن القدر الذي اختبرك بهذا الألم لم يكن يعاقبك، بل كان يكشف معدنك. فالأزمات لا تصنع الأخلاق، بل تُظهرها. ولذلك خرج بعض الناس من محنهم أكثر قسوة، بينما خرجت أنت أكثر فهمًا ورحمةً ونضجًا.


لا تجعل الخذلان يدفعك إلى استعارة أخلاق من خذلوك. فالسمو ليس أن تنتصر عليهم، بل أن تنتصر على نفسك، وأن ترفض أن يتحول الألم إلى حقد، أو الجرح إلى انتقام.


تذكّر دائمًا أنك لم تخسر حين أحببت بصدق، ولا حين وفيت بوعدك، ولا حين كنت سندًا لمن احتاجك. الخسارة الحقيقية كانت من نصيب أولئك الذين فرّطوا في قلبٍ كان يمكن أن يكون وطنًا لهم.


يا صاحب القلب الطيب...


لا تطفئ نورك لأن غيرك اختار الظلام، ولا تهدم قيمك لأن بعض الناس لم يعرفوا قيمتها. فالأشجار المثمرة لا تتوقف عن الإثمار لأن أحدهم رماها بالحجارة، والشمس لا تمتنع عن الشروق لأن هناك من يفضّل العتمة.


ابقَ كما أنت؛ قويًا بأخلاقك، عزيزًا بمبادئك، ونقيًا بقلبك. فطيبتك ليست نقطة ضعف، بل آخر معاقل القوة في عالمٍ يتباهى بالقسوة.


وإذا كان لا بد للإنسان أن يُعرف بشيء بعد رحيله، فليُعرف بأنه كان رجلًا حافظ على قلبه نقيًا، رغم كل العواصف ا


صفاء داود

كلماتٌ تؤمن أن الطيبة لا تُهزم. 




تراتيل روح...زلازل لا يسمعها أحد

تراتيل روح


زلازل لا يسمعها أحد


ليس كل زلزالٍ تهتزّ له الأرض…


هناك زلازل تحدث في أعماقنا، لا يسمعها أحد، ولا تسقط بسببها جدران، ولا تركض الناس إلى الشوارع مذعورة…


ومع ذلك، قد ينهار داخل الإنسان عالمٌ كامل.


زلزالٌ واحد في الروح قد يغيّر شكل الحياة كلها؛

يجعل الأشياء التي كانت تمنحنا الأمان تبدو فجأةً غريبة، ويترك في القلب خوفًا لا يعرف كيف يشرحه، وصمتًا لا يملك أحد مفاتيحه.


في الزلازل التي تضرب الأرض، يرى الجميع الخوف في الوجوه، ويرون الركام، ويسمعون الصراخ…


أما حين تهتز الروح، فقد يبقى الإنسان جالسًا في مكانه، هادئ الملامح، يجيب، يبتسم، ويبدو كأن شيئًا لم يحدث…


بينما في داخله، كانت الأرض كلها تهتز.


في الزلزال الخارجي، نعرف أين الخطر.


نرى الجدران تتشقق،

والأشياء تسقط،

والناس يركضون بحثًا عن الأمان.


أما الزلزال الذي يحدث في الداخل، فلا نعرف أين بدأ، ولا أين سينتهي.


قد يكون كلمةً واحدة.


خذلانًا.


فقدًا.


رحيل شخصٍ لم نكن مستعدين لغيابه.


حقيقةً اكتشفناها متأخرين.


أو تراكم سنوات كاملة من الألم، حتى جاء يومٌ لم يعد القلب قادرًا فيه على حمل المزيد.


وفجأة…


ينهار شيء فينا.


ليس بالضرورة أن نبكي.


أحيانًا يكون الانهيار أكثر هدوءًا من ذلك.


نصبح أقل كلامًا.


أقل حماسًا.


نضحك، لكن شيئًا في ضحكتنا لا يصل إلى القلب.


نجلس بين الناس، ونشعر أننا بعيدون عنهم آلاف الأميال.


وقد نكون بجوار أقرب شخص إلينا، ومع ذلك نعجز عن قول:


"أنا أتألم."


ليس لأننا لا نريد أن نتكلم…


بل لأننا لا نعرف كيف نصف ما حدث.


كيف تشرح للآخرين أن شيئًا لم يحدث أمام أعينهم، لكنه حدث في داخلك؟


كيف تقول لهم إنك استيقظت ذات يوم، فوجدت نفسك شخصًا آخر؟


أن الأشياء التي كانت تعني لك الكثير لم تعد تعني شيئًا؟


أن قلبك لم يعد يعرف أين يضع خوفه؟


لهذا…


هناك أناس يعيشون زلازلهم في صمت.


يمرون بيننا كل يوم.


يعملون.


يتحدثون.


يضحكون.


يطمئنون الآخرين عليهم.


ثم يعودون إلى غرفهم، ويجلسون وحدهم أمام ذلك الركام الذي لا يراه أحد.


وهنا تكمن قسوة الزلزال الداخلي:


أن العالم قد لا يشعر به، حتى أقرب الناس إليك.


في الزلزال الذي يهز الأرض، يصرخ الإنسان، فيعرف الجميع أنه خائف.


أما في زلزال الروح، فقد يبتلع الإنسان صرخته، ويضع ابتسامة على وجهه، ثم يقول:


"أنا بخير."


وهو ليس بخير.


لقد حدثت في داخله كارثة كاملة…


لكنها بلا صوت.


ومع ذلك، لا تبقى الروح مكسورة إلى الأبد.


فالروح، رغم هشاشتها، تعرف شيئًا عجيبًا اسمه الترميم.


لا تعود كما كانت تمامًا…


لكنها تتعلم أن تحمل ندوبها دون أن تخجل منها.


تتعلم أن بعض الأشياء لا يمكن إصلاحها، وأن بعض الأشخاص لا يمكن استعادتهم، وأن بعض الأبواب أُغلقت لحمايتنا، لا لمعاقبتنا.


وتتعلم أيضًا أن الشفاء ليس أن تنسى ما حدث…


بل أن تتذكره يومًا، دون أن تشعر أن قلبك ينهار من جديد.


الترميم يبدأ أحيانًا من أشياء صغيرة جدًا.


من نومٍ هادئ بعد ليالٍ طويلة.


من دمعةٍ سمحت لنفسك أخيرًا أن تسقط.


من شخصٍ جلس بجانبك دون أن يطالبك بالكلام.


من دعاءٍ قلته وأنت لا تعرف ماذا تقول.


من لحظةٍ قررت فيها أن تتوقف عن لوم نفسك على شيء لم يكن بيدك.


ومن صباحٍ جديد…


تفتح فيه عينيك، وتكتشف أن الألم ما زال موجودًا، لكنه لم يعد يملكك كما كان.


ثم يأتي يوم…


تنظر فيه إلى نفسك القديمة، وتفهم شيئًا لم تكن قادرًا على فهمه وقتها:


أنك لم تكن ضعيفًا لأنك انهرت.


كنت إنسانًا.


وأن نجاتك لم تكن في أنك بقيت واقفًا طوال الوقت…


بل في أنك، كلما سقطت، حاولت أن تجمع نفسك من جديد.


ولعل الزلازل التي تحدث في العالم تذكّرنا بهذا كله.


حين تهتز الأرض، نرى الإنسان يركض نحو الإنسان.


يبحث عن أمه.


عن أبيه.


عن طفله.


عن صديقه.


عن أي يدٍ يعرفها.


فحين يفقد الإنسان شعوره بالأمان، لا يبحث عن الأشياء أولًا…


بل يبحث عن إنسان.


ولهذا ربما علينا أن ننتبه أكثر إلى بعضنا.


أن نسأل من نحب:


"كيف حالك حقًا؟"


لا أن نكتفي بالسؤال العابر.


لأن كلمة "بخير" ليست دائمًا حقيقة.


بعض الناس يقولونها لأنهم لا يريدون أن يثقلوا على أحد.


وبعضهم يقولونها لأنهم تعبوا من شرح ما لا يمكن شرحه.


وبعضهم لا يقولون شيئًا…


لأنهم اعتادوا أن ينجوا وحدهم.


فكن رحيمًا بمن حولك.


قد لا تعرف المعركة التي يخوضها الشخص الذي أمامك.


قد ترى ابتسامته ولا ترى ارتجاف قلبه.


قد تسمع صمته ولا تعرف أنه في داخله يصرخ.


قد تراه قويًا…


بينما هو فقط يحاول ألا يسقط أمام أحد.


فليس كل من نراه واقفًا قد نجا.


وليس كل من يبتسم آمنًا.


وليس كل صامت هادئًا.


بعضهم فقط…


يحاول أن ينجو من زلزالٍ لم يشعر به أحد .

صفاء داود

أثرٌ من روح


#زلازل_الروح #تراتيل_روح #صفاء_داود