لا تَبْحَثُوا عَنِّي...
وَلَا تَتَسَاءَلُوا: مَنْ أَنَا؟
فَقَدْ أَوْصَدْتُ خَلْفِي أَبْوَابَ المُنَى،
وَأَلْقَيْتُ مِفْتَاحَهَا فِي مَهَبِّ الرِّيَاحْ.
انْشَقَّ السَّيْفُ،
وَانْكَسَرَ الوَتَرُ،
وَتَنَاثَرَ الحُلْمُ،
وَضَاقَ الزَّمَنُ.
عَلَى حُدُودٍ جَفَّ فِيهَا الشَّجَنُ،
وَخَفَتَ فِيهَا نُورُ الأَمَلْ.
لَمْ يَعُدْ فِي القَلْبِ مُتَّسَعٌ
لِحُلْمٍ عَابِرٍ،
أَوْ لِسَطْرٍ يَبْتَدِئْ.
فَكُتُبُ قَلْبِي مُهَلْهَلَةٌ،
فُصُولُهَا وَحُرُوفُهَا تَرْثِينِي،
وَتَسْرُدُ مَا تَبَقَّى
مِنْ صَدَى الأَمْسِ البَعِيدْ.
وَعَصَافِيرٌ عَلَى شُرْفَتِي
لَمْ تَعُدْ تُغَنِّي لَحْنِي،
وَلَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ طَرِيقَ العَوْدَةْ.
هَجَرَتْ شُطْآنَ المُنَى،
وَمَضَتْ مَعَ الرِّيحِ
إِلَى آفَاقٍ لَا أَعْرِفُهَا.
وَأَسِيرُ فِي صَمْتِ الرَّحِيلِ مُسَافِرًا،
مَا عَادَ يُغْرِينِي البَقَاءُ،
وَلَا يُغْرِينِي السَّفَرْ.
تَرَكْتُ خَلْفِي مَا انْقَضَى،
وَسَكَبْتُ لَيْلِي كُلَّهُ
فَوْقَ أَرْصِفَةِ الذِّكْرَى،
لِأَرَى ضِيَاءً
مِنْ بَعِيدٍ يَبْتَسِمْ.
وَرَغْمَ العَتْمَةِ الصَّامِتَةْ،
سَأَتْرُكُ نَافِذَتِي مُشْرَعَةْ،
لَعَلَّ نَسِيمًا يُفِيقُ الوَتَرْ،
وَيُعِيدُ لِلَّحْنِ نَبْضَهُ المُنْكَسِرْ.
فَتَرْجِعُ عَصَافِيرُ شُرْفَتِي،
وَيُورِقُ فِي الشَّطْآنِ حُلْمٌ جَدِيدْ،
وَتَعُودُ المُنَى...
كَأَنَّهَا لَمْ تَرْحَلْ يَوْمًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق