ربما كان علينا، قبل أن نتحدث كثيرًا عن الحب، أن نصمت قليلًا ونراقب الطير.
فثمة حكمة خفية في جناحين يحلّقان معًا، دون أن يسأل أحدهما الآخر: إلى أين؟
لا قيد هناك، ولا وعد بالامتلاك، ولا خوفٌ يُسمّى غيرة، ولا يدٌ تمتد لتقصّ من جناح الآخر كي تضمن بقاءه.
يطير الطير إلى جوار من اختارته روحه، وكأنّه يعرف بالفطرة ما عجز الإنسان عن فهمه طويلًا: أن المحبة ليست قفصًا يجمع جسدين، بل سماءً تتّسع لروحَين.
ولعلّ أجمل ما في عشق الطير أنه لا يقول: «أنت لي»، بل يقول بصمته: «أنا معك».
وهنا يكمن سرّ عظيم من أسرار العشق…
فالامتلاك يريدك قريبًا ولو خنقك، أما الحب فيمنحك المسافة التي تحتاجها لتبقى أنت، ثم يفرح لأنك، رغم اتساع العالم، اخترت أن تكون إلى جواره.
نحن لا نفسد الحب لأننا لا نعرف كيف نحب، بل لأننا نخاف كثيرًا من فقدان ما أحببناه. فنحوّل الغيرة إلى حق، والمراقبة إلى اهتمام، والقيود إلى خوفٍ مشروع، حتى يصبح من نحب سجينًا لمخاوفنا، ثم نتساءل في دهشة: أين ذهب الحب؟
ربما لم يذهب…
ربما نحن الذين ضيّقنا عليه حتى اختنق.
أما الطير، فيذكّرنا بأن ما يُحب حقًا لا يُمسك باليد، وأن الروح لا تُربط بالسلاسل. يفتح جناحيه للسماء، ويترك للغيب حكمته، وكأنّه يعرف أن ما كُتب له لن يحتاج إلى قفص كي يبقى.
وفي ذلك شيء من الحب الإلهي…
أن تحب دون أن تملك، وأن تعطي دون أن تُحصي، وأن تترك للروح حريتها، ثم تثق أن ما بين الأرواح إذا كان صادقًا، لا تفسده المسافات ولا تخيفه السماء.
لعلّ العشق، في أصفى معانيه، ليس أن تجد من يقول لك: «لن أتركك»، بل أن تجد من يحبك إلى الحد الذي لا يخاف حريتك.
من يقول لك:
حلّق…
فأنا لا أريد جناحيك مكسورين كي تبقى معي.
أريد أن أراك حرًّا،
أن تمضي حيث تشاء،
أن تتّسع لك الدنيا كلها…
ثم، رغم كل هذا الاتساع،
تعود إليّ لأن قلبك اختار سمائي. 🪽🤍

هناك تعليق واحد:
ولعلّ أعمق ما نتعلّمه من الحب، أن من نحبّه ليس امتدادًا لنا ولا ملكًا لقلوبنا، بل روحٌ أودعها الله في طريقنا لنحبّها دون أن نمتلكها. فالمحبة الناضجة لا تسأل: «كيف أضمن بقاءك؟» بل تسأل: «كيف أجعلك تشعر بالأمان وأنت حر؟»
أن نترك نافذةً مفتوحة في قلب العلاقة، ليدخل منها الهواء، وتدخل معها الحرية، ويظلّ لكل روح جناحها.
فمن أحبّك حقًا، لن يحتاج إلى قفصٍ ليبقيك قريبًا…
سيحبّك حتى وأنت قادرٌ على الرحيل، ويطمئن لأنك، من بين كل الجهات، ما زلت تختار أن تعود إليه. 🪽🤍
صفاء داود
إرسال تعليق