حين يصبح الشعر وفاءً للزمن… وانتصارًا للكلمة…
«أنوار البردة» للشاعر القدير خالد الشيباني
ليست القصيدة الطويلة مجرد نصٍّ تتكاثر أبياته، كما أن السنوات التي يقضيها الشاعر في كتابتها ليست رقمًا عابرًا. فبعض القصائد تُكتب في أيام، وبعضها يحتاج إلى أعوام؛ لكن القصائد التي تستحق أن تُقرأ طويلًا هي تلك التي يصبح الزمن جزءًا من تكوينها.
ومن هنا تأتي «أنوار البردة» للشاعر القدير خالد الشيباني؛ قصيدة اكتملت في 555 بيتًا بعد رحلة امتدت قرابة ستة أعوام، لتكشف عن علاقة مختلفة بين الشاعر ونصه؛ علاقة لا تُبنى على العجلة، بل على الإيمان بأن بعض المعاني لا تمنح أسرارها إلا لمن يصبر عليها.
واللافت أن القصيدة نفسها تُفصح منذ مطلعها عن طبيعة الطريق الذي اختاره صاحبها:
يَا آيَةَ الطُّهْرِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْكَرَمِ
وَقِبْلَةَ النُّورِ وَالتَّشْرِيفِ لِلْأُمَمِ
هنا لا يبدأ الشعر من منطقة عابرة، ولا يبحث عن مدخل تقليدي يهيئ للقصيدة؛ إنما يدخل مباشرة إلى جوهر المقصد: الطهر، والأخلاق، والكرم، والنور.
بل إن هذا الوعي يتجلى بصورة أوضح حين يقول:
تَأْبَى القَصِيدَةُ بَدْءَ الشِّعْرِ مِنْ غَزَلٍ
وَنَبْعُ عِشْقِكَ فَيَّاضٌ يُنِيرُ دَمِي
وهذه من أجمل المفاتيح التي يمكن أن نقرأ بها «أنوار البردة». فالشاعر لا يقول فقط إن قصيدته في المديح النبوي؛ بل يجعل القصيدة نفسها ترفض أن تبدأ من الغزل، لأن لها هذه المرة مصدرًا آخر للعشق، ومنبعًا آخر للقول. إنها لحظة انتقال من تقليد القصيدة إلى وعي القصيدة بذاتها.
ثم يقول:
وَلَا وُقُوفَ عَلَى الْأَطْلَالِ يَحْضُرُني
فَكَمْ بَعَثْتَ لِيَ الآمَالَ فِي قَلَمِي
ما أعمق أن تصبح الطلل هنا غير ضروري! فالقصيدة لا تحتاج إلى أن تستدعي الغياب كي تبدأ، لأنها تقف أمام حضور ملأ الوجدان، وحوّل القلم من أداة كتابة إلى وسيلة لاستعادة المعنى.
وهنا تحديدًا يصبح الشعر أكثر من صناعة لفظية؛ إنه استجابة وجدانية.
ثم تأتي الصورة التي تختصر علاقة الشاعر بقصيدته كلها:
تَشْدُو السُّطُورُ وَوِجْدَاني يَخُطُّ بِهَا
مَدْحَ النَّبيِّ عَظِيمِ الشَّأْنِ ذِي الهِمَمِ
ليس القلم وحده هو الذي يكتب؛ الوجدان يكتب أيضًا. وهذه العبارة تضعنا أمام سؤال جوهري في كل تجربة شعرية كبيرة: من الذي يكتب القصيدة حقًا؟ هل هو الشاعر وحده، أم أن هناك معنى يتكون طويلًا في داخله، ثم يجد طريقه إلى اللغة؟
في «أنوار البردة» تبدو الكتابة تفاعلًا بين الوجدان واللغة، وبين المحبة والبيان، وبين ما يشعر به الشاعر وما تستطيع القصيدة أن تحمله.
ولهذا يأتي:
أَيُنْشِدُ الشِّعْرَ في رُوْحِي مَلَائِكَةٌ
أَمْ وَجْدُ قَلْبي أَتَى بالصَّوتِ والنَّغَمِ
وهنا يبلغ المطلع واحدة من أكثر مناطقه شاعرية؛ إذ يضع الشاعر نفسه أمام دهشة الكتابة ذاتها: من أين يأتي الشعر؟ من الروح؟ من القلب؟ أم من تلك المنطقة الخفية التي يلتقي فيها الإحساس باللغة، فيولد البيت كأنه كان ينتظر لحظة ظهوره؟
ولعل هذا السؤال يجعل «أنوار البردة» أوسع من مجرد قصيدة في المديح النبوي؛ إنها أيضًا تأمل في كيف يولد الشعر حين يجد موضوعه الذي يستحق أن يُمنح له العمر.
فستة أعوام ليست مجرد رقم في سيرة العمل. إنها زمن طويل عاشته القصيدة مع صاحبها، حتى نضجت وبلغت لحظة اكتمالها. وهنا يصبح الزمن جزءًا من البناء الشعري؛ فالشاعر الذي يمنح قصيدته ستة أعوام لا يمنحها ساعات الكتابة وحدها، بل يمنحها من ذاكرته وتأمله وصمته، ومن الأسئلة التي ظل يحملها حتى وجد لها في اللغة جوابًا.
ومن هذه الزاوية، فإن بلوغ «أنوار البردة» 555 بيتًا ليس إنجازًا عدديًا فحسب؛ فالعدد هو الأثر الظاهر لرحلة أطول لا نراها كلها. نحن نرى الأبيات، ولا نرى السنوات التي سبقتها، ونقرأ البيت ولا نرى المسافة التي قطعها المعنى حتى استقر في موضعه.
وهذه هي المسافة بين كتابة القصيدة وبناء القصيدة.
ولأن «أنوار البردة» تأتي في امتداد تقليد شعري عريق ارتبط بقصيدة الإمام البوصيري «البردة»، ثم عرف امتدادًا بارزًا في «نهج البردة» لأحمد شوقي، فإن الشاعر خالد الشيباني لا يكتب في فراغ؛ إنه يدخل إلى ذاكرة شعرية كبيرة، ويختار أن يتحاور معها بلغته ورؤيته وزمنه.
وهنا تصبح المعارضة الشعرية فعلًا أعمق من مجرد محاكاة شكلية؛ إنها نوع من الحوار مع الماضي: أن تأخذ الوزن والقافية وروح المقام، ثم تبحث داخلها عن صوتك أنت. أن تقف أمام نص ترك أثره في الذاكرة العربية، لا لكي تكرره، وإنما لكي تسأل: ماذا يمكن أن تقول القصيدة اليوم؟
ولهذا فإن «أنوار البردة» لا تستمد قيمتها من طولها وحده، ولا من ارتباطها بعنوان كبير في تاريخ الشعر العربي، وإنما من المحاولة ذاتها: أن يستعيد الشاعر مقامًا شعريًا عريقًا، ثم يمنحه من تجربته وزمنه ووجدانه حياة جديدة.
مبارك للشاعر القدير خالد الشيباني اكتمال هذه الرحلة الطويلة، ومبارك للشعر حين يجد شاعرًا لا يتعجل الوصول، وللكلمة حين تُمنح حقها من التأمل والصدق.
أما «أنوار البردة»… فربما أجمل ما يمكن أن يُقال عنها الآن:
إنها لم تُكتب لتُضاف إلى عدد القصائد فحسب، بل كُتبت لتدخل في ذاكرة القصيدة العربية.
فبعض القصائد تنتهي حين يضع الشاعر آخر بيت فيها…
أما القصائد التي كُتبت حقًا،
فإنها تبدأ عندها. 🤍🌿
إلى الشاعر القدير خالد الشيباني… تقديرًا لتجربةٍ منحت الكلمة وقتها، وللقصيدة حقها في أن تنضج، وللشعر حقه في أن يظل قادرًا على عبور الزمن
صفاء داود.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق