حين يصبح الغياب مرآة
اليوم مرّ أمامي مشهد في فيلم،
مشهدٌ عابر في حكاية مصنوعة،
لكنه ترك في داخلي سؤالًا لم يكن من صُنع السينما.
كان السؤال عن ذلك الذي نقضي إلى جواره العمر،
نمنحه من أرواحنا أكثر مما ينبغي،
نحتمل، ونغفر، ونتعب، ونبقى...
ثم لا نُرى.
كأن الحضور، حين يطول، يفقد هيبته.
وكأن الإنسان لا يُدرك أحيانًا إلا حين يصبح غيابه حقيقة.
نحن عجيبون...
نعتاد اليد التي تمتد إلينا،
والصوت الذي يسأل عنا،
والقلب الذي يحتملنا،
حتى نظن أن الأشياء الجميلة خُلقت لتبقى.
ثم يحدث الرحيل.
فجأة يصبح المقعد الفارغ أكثر امتلاءً من صاحبه،
ويصبح الصمت أكثر كلامًا من كل ما قيل،
وتبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب المشاهد القديمة،
فنكتشف متأخرين أن أشياءً كثيرة كنا نسميها عادية
كانت في الحقيقة نعمًا متنكرة في هيئة تفاصيل.
لكن...
هل يكفي الرحيل لكي يعرف الإنسان قيمة من رحل؟
ربما.
وربما لا.
فبعض الغياب يوقظ القلب،
وبعضه لا يوقظ فيه إلا الفراغ،
وبعض البشر لا يدركون ما فقدوه،
حتى لو وقف الفقد أمامهم بكل وضوح.
وهنا تصبح الحكاية أكبر من الفيلم.
لأن الفيلم ينتهي عند ظهور الحقيقة،
أما الحياة...
فقد تُسدل ستائرها قبل أن يفهم أحدٌ دوره.
كم من إنسان عاش بينهم كريم الروح،
ثم رحل دون أن يسمع كلمةً واحدة تقول له:
لقد رأيناك. لقد عرفنا ما فعلت.
وكم من قلبٍ ظل يعطي،
لا لأنه لم يتعب،
بل لأنه كان ينتظر أن يُفهم، لا أن يُكافأ.
ثم جاءه الرحيل بدلًا من الاعتراف.
والأغرب أن بعضهم لا يعرف قيمة الغائب حتى بعد غيابه،
لأن هناك قلوبًا لا تتعلم من الفقد،
بل تتعايش معه كما تعايشت مع وجودك من قبل.
ولعل هذه هي السخرية الأشد في هذه المسرحية التي نسميها حياة:
أن نُهدر ما بين أيدينا ونحن نضمن بقاءه،
ثم نبكي حين يصبح مستحيلًا.
أن نؤجل كلمة الحب حتى لا يبقى من يسمعها،
ونؤجل الاعتذار حتى يصبح بلا معنى،
ونؤجل الامتنان حتى يصبح صاحبه ذكرى.
كأننا لا نؤمن بالأشياء إلا بعد أن تفقد قدرتها على البقاء.
ومع ذلك،
ربما ليس كل ما نعطيه يُعطى لنا كي يُقدَّر.
ربما بعض العطاء كان طريقًا لنا، لا لهم.
وربما بعض الرحيل ليس عقابًا لأحد،
بل كشفًا لنا.
يكشف لنا أن قيمتنا لا ينبغي أن تُعلّق على عينٍ لم ترنا،
ولا على قلبٍ لم يعرف كيف يحتفظ بنا.
فما أوجع أن يكتشف المرء أنه كان ينتظر من شخصٍ ما أن يقول له:
«أنت مهم»
بينما كان ينبغي له، منذ البداية، أن يعرف ذلك في أعماقه.
قد يعرفون قيمتك بعد رحيلك،
وقد لا يعرفونها.
قد يبكونك،
وقد يتذكّرونك،
وقد يمضون وكأن شيئًا لم يكن.
أما أنت،
فلا تجعل قيمة ما كنتَه في حياتهم رهينةً بما سيشعرون به بعدك.
فبعض الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى شاهد.
يكفي أنها حدثت.
يكفي أنك أحببت بصدق،
وأعطيت بصدق،
وكنت حاضرًا حين كان حضورك ممكنًا.
أما ما بعد الرحيل...
فليس لنا.
نحن لا نملك إلا أن نعيش اللحظة قبل أن تصبح ذكرى،
وأن نقول الكلمة قبل أن يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة،
وأن نُبصر من بجوارنا قبل أن تضطرنا الحياة إلى النظر إليه من بعيد.
فالموت ليس وحده رحيلًا.
هناك أحياء يرحلون كل يوم،
يبتعدون خطوةً صامتة عن قلوبنا،
حتى إذا التفتنا ذات يوم لنبحث عنهم،
وجدنا أننا فقدناهم وهم ما زالوا أحياء.
وربما كانت تلك أقسى مسرحيات الحياة...
أن يرحل أحدهم مرةً واحدة،
بينما نرحل نحن عنه ألف مرة
دون أن ننتبه.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق