الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

إلى صديقتي… حين يتعب القلب من المجاملة

 

إلى صديقتي… حين يتعب القلب من المجاملة

أعرفكِ…

أعرف ذلك القلب الذي يشبه نافذةً مفتوحة في وجه الجميع، يدخل منها العابرون بدفئهم، ويتركون عليها شيئًا من تعبهم، ثم يمضون… دون أن يسأل أحد: ومن يمسح عن هذه النافذة غبار الأيام؟

أعرف أنكِ تجاملين كثيرًا، وتبتسمين في المواضع التي كان يحق لكِ فيها أن تبكي، وتقولين: «لا بأس» بينما في داخلكِ أشياء كثيرة تقول: بل هناك بأس… كثير.

تفعلين للآخرين ما تتمنين، في سرّك، أن يفعله أحد لكِ.

تسمعين الجميع، حتى الذين لا يعرفون كيف ينصتون إليكِ.
تحتوين ارتباكهم، وتخففين خوفهم، وتتركين لكل قلبٍ مكانًا عندكِ… ثم تعودين إلى وحدتكِ، حاملةً كل ما لم يجد له مكانًا في قلب أحد.

وربما كانت مشكلتكِ أنكِ اعتدتِ أن تكوني الملجأ، حتى نسي الجميع أن للملجأ بابًا يحتاج أحيانًا إلى أن يُطرق.

لكن اسمعيني…

ليس عليكِ دائمًا أن تكوني بخير.
ليس عليكِ أن تشرحي صمتكِ، ولا أن تبرري انطفاءكِ، ولا أن ترتدي ابتسامتكِ كلما ثقل عليكِ العالم.

تعالي كما أنتِ.

بكل ما فيكِ من كلامٍ لم يُقل، ودمعٍ أخّرتِه، وأسئلةٍ لم تجدي لها جوابًا، وأيامٍ كنتِ فيها قويةً فقط لأنكِ لم تجدي من يسمح لكِ بأن تكوني ضعيفة.

أنا هنا.

لا لأصلحكِ، فأنتِ لستِ شيئًا معطوبًا.
ولا لأعطيكِ أجوبةً جاهزة، فبعض الأسئلة لا تُشفى بالإجابات.

أنا هنا لأستمع لكِ…

حتى حين لا تقولين شيئًا.

سأستمع إلى صمتكِ كما أستمع إلى حديثكِ، إلى ارتباك صوتكِ، إلى تلك المسافة الصغيرة بين «أنا بخير» والحقيقة التي تختبئ خلفها.

تعالي نترك القلب حافيًا قليلًا…

دون أن نطالبه بأن يفهم كل شيء، أو أن يكون قويًا طوال الوقت.

نتركه يمشي معنا في الربيع، يلامس العشب بنداه، وينشد ما بقي فيه من أغنية.

وحين يثقل عليكِ الوجع، لا تحمليه وحدكِ.

تعالي ننشد معًا.

فربما لا نحتاج دائمًا إلى من ينتشلنا من الحزن؛
ربما نحتاج فقط إلى يدٍ لا تترك يدنا ونحن نعبره.

وأنا لا أعدكِ بأنني سأملك الكلمات التي تداوي كل شيء…

لكنني أعدكِ بشيءٍ أبسط وأصدق:

حين تضيق بكِ نفسكِ، ستجدينني هنا.

وحين تعجز الكلمات، سنصمت معًا.

وحين يبكي قلبكِ، لن أطلب منه أن يتوقف.

سأجلس إلى جواره حتى يهدأ.

فبعض الأرواح لا تحتاج إلى من ينقذها…

تحتاج إلى من يراها.

وأنا أراكِ.

وأنا أراكِ.

أراكِ حين تبتسمين كي لا يقلق أحد،
وحين تصمتين لأن الكلام لم يعد يتّسع لكل ما فيكِ.

فلا تخافي من أن تكوني كما أنتِ أمامي؛
بعض الأرواح لا تحتاج إلى كثير من الكلام،
يكفيها أن تجد روحًا أخرى
تجلس إلى جوارها… ولا ترحل.

تعالي،
لنترك للقلب أن يكون قلبًا،
وللروح أن تستريح قليلًا من كل ما حملت.

وحين يثقل عليكِ الوجع،
سننشد معًا…
حتى يعود في القلب متّسعٌ للربيع.






هناك تعليق واحد:

صفاء يقول...

بعض الأصدقاء لا نحتاج منهم شيئًا سوى أن يبقوا قريبين… أن يصغوا دون أسئلة، وأن يفهموا صمتنا كما يفهمون كلامنا.
ولصديقتي أقول:
حين يثقل عليكِ العالم، لا تبحثي عن الكلمات… تعالي فقط.
سأكون هنا، أستمع لكِ حتى في صمتكِ، ونترك القلب حافيًا قليلًا… ثم ننشد معًا حتى يخفّ الوجع.