همسة
الكلام... ما أسهله حين يكون وجع الآخرين.
نجلس على ضفة الألم، ونلقي على الغريق دروسًا في السباحة، كأننا لو كنا مكانه لما ابتلعنا الموج، وكأن الكلمات التي نقولها قادرة على أن تهزم قدرًا لم نعشه، أو تمحو جرحًا لم ينزف في أرواحنا.
نحن بارعون في تفسير ما لا يؤلمنا، وفي منح الآخرين مفاتيح لأبواب لم نقف يومًا خلفها.
لكن حين يدور الزمان دورته، ويضعنا في الموضع ذاته، تتغير الأشياء... نكتشف أن بعض الكلام، مهما كان صادقًا، يصبح ثقيلًا حين يأتي فوق قلبٍ أنهكه الاحتمال.
هناك لحظات لا يريد فيها الإنسان نصيحة، لأنه يعرف ما ينبغي أن يفعله، لكنه لا يملك القوة ليفعله.
ولا يريد إجابة، لأنه لم يسأل سؤالًا أصلًا.
يريد فقط من يجلس إلى جواره دون أن يحاول إصلاحه.
من يحتمل صمته دون أن يفسره، ودمعته دون أن يستجوبه، وانكساره دون أن يطالبه بأن يبدو قويًا.
فأحيانًا، لا يكون المطلوب أن تُخرج إنسانًا من عتمته، بل أن تدخلها معه دون أن تخاف من ظلامها.
أن تجلس قرب ألمه، لا لتطفئه، بل لتقول له بصمت: لست وحدك.
فبعض الأرواح لا تحتاج إلى يدٍ تسحبها من القاع، بل إلى روحٍ تجلس بجوارها هناك... حتى تتذكر وحدها أن في داخلها نورًا لم ينطفئ.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى من يدلّنا على الطريق؛ أحيانًا نحتاج إلى من يمشي معنا قليلًا، حتى نستعيد قدرتنا على رؤيته.
وما أعمق الإنسان حين يتوقف عن محاولة إصلاح الآخرين، ويبدأ في الإصغاء إليهم...
فقد يكون الإصغاء في بعض الأحيان أقدس من الكلام،
وقد يكون الحضور الصادق دعاءً لا يُسمع،
وقد تكون ربّتةٌ على روحٍ متعبة أبلغ من ألف نصيحة.
فالقلوب لا تُفتح بالمفاتيح التي نحملها في أفواهنا...
بل بالأمان الذي نحمله في حضورنا
صفاء داود

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق