إلى كل قلبٍ أنهكته الحياة… وما زال يبحث عن ابتسامة. ❤️
🌿 إلى تلك الابتسامة الصغيرة التي جاءتني من حيث لم أكن … ❤️
❤️
ابتسامة على الرصيف
في يومٍ من الأيام، وأنا أمشي بين الناس، لفت نظري أن الجميع بدا وكأنه في صراعٍ مع الحياة.
كنت أنظر إلى الوجوه من حولي، فأرى التعب يعلو ملامحها، والحزن يسكن عيونها، والكآبة تخيم عليها، وكأن كل إنسان يحمل في داخله شيئًا أثقل من أن يحكيه.
لم أجد تقريبًا وجهًا سعيدًا، ولا أحدًا يبتسم.
توقفت أفكر للحظة، وتساءلت في صمت:
لماذا يعيش الجميع هكذا؟
لماذا يبدو أن الإنسان يمضي في الحياة وكأنه في معركةٍ دائمة معها؟
لماذا أصبحنا نرى التعب على الوجوه أكثر مما نرى الفرح، والحزن أكثر مما نرى الابتسامة؟
كنت أمشي شاردة، وأفكر في هذا كله، حتى شعرت أنني أبحث عن ابتسامة، عن وجهٍ واحد فقط يقول لي إن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زال فيها شيءٌ يستحق أن نفرح به.
وفجأة، وقع نظري على الرصيف.
كان هناك رضيع صغير، في حالةٍ يرثى لها، إلى جوار امرأة فقيرة تفترش الأرض وتجلس صامتة أمام المارة، تمد يدها لمن يمر بها. كان جسده الصغير يرتجف من شدة البرد، وثيابه البسيطة لا تكاد تقيه قسوة الشتاء،
كان المشهد مؤلمًا إلى حدٍ جعلني أتوقف.
كان الجو باردًا جدًا، وبرد الشتاء قاسيًا، والهواء يلسع الوجه، ومع ذلك كان ذلك الصغير يجلس هناك، في مكانٍ مكشوف، وسط ضجيج الناس ومرورهم، وكأن العالم كله يمضي من حوله دون أن ينتبه إلى ضعفه.
لكنني حين نظرت إليه…
ابتسم.
ابتسم لي كأنه يعرفني.
كانت ابتسامته صغيرة، عفوية، بلا سبب أعرفه، لكنها في تلك اللحظة بدت لي أكبر من كل ما حولها.
توقفت عيناي عنده، وكأنني وجدت أخيرًا ما كنت أبحث عنه دون أن أدري.
أخيرًا… وجدت أحدًا يبتسم.
يا لها من مفارقة!
كنت أبحث عن الابتسامة بين وجوه الكبار، بين من عرفوا الحياة وخاضوا صراعاتها، فوجدتها في وجه رضيع لم يبدأ بعد في معرفة شيءٍ من هذا العالم.
نظرت إليه طويلًا، وشعرت بشيءٍ يضيق في صدري.
ربما كان يبتسم لأنه ما زال بريئًا، لم يتلوث بعد بمكر البشر، ولم يعرف ماذا تخبئ له الحياة، ولم يعرف بعد أن بعض القلوب يمكن أن تكون قاسية، وأن بعض الوجوه التي تبتسم قد تخفي وراءها أشياء كثيرة.
لم يعرف الخوف، ولا الخذلان، ولا الانتظار، ولا الخسارة، ولا تلك المعارك الصغيرة والكبيرة التي تكبر معنا يومًا بعد يوم، حتى يصبح الإنسان أحيانًا غريبًا عن نفسه.
كان لا يزال في بداية الطريق…
طريقٍ كنت أعرف أنه ليس دائمًا رحيمًا.
نظرت إليه، وشعرت بشيءٍ من الشفقة، لا لأنه كان حزينًا، بل لأنني تمنيت له ألا يعرف الحزن بالطريقة التي عرفها كثيرون قبله.
تمنيت لو أستطيع أن آخذه بعيدًا
بعيدًا عن ذلك البرد، وبعيدًا عن كل ما يمكن أن يؤذيه.
إلى مكانٍ دافئ، إلى بيتٍ يحميه، إلى حضنٍ يشعر فيه بالأمان، إلى قلبٍ لا يجعله يحتاج إلى شيء سوى أن يكون طفلًا.
كان البرد شديدًا…
لكنني شعرت أن الحياة قد تكون أقسى.
قد يكون برد الشتاء قاسيًا، لكنه يرحل حين يأتي الربيع، أما قسوة بعض الظروف وبعض القلوب فقد تترك أثرًا لا يزول بسهولة.
وتمنيت، في تلك اللحظة، أن تكون الحياة أكثر رحمةً بهذا الصغير.
أن تكبر قامته دون أن يكبر معها خوفه.
أن يعرف الناس دون أن يتعلم منهم القسوة.
أن يمر بتجارب الحياة دون أن تفقده دهشته.
أن يتعلم، دون أن يتلوث.
أن يكبر، دون أن يضطر إلى أن يكبر قلبه قبل أوانه.
وتمنيت أن تظل ابتسامته كما هي.
تلك الابتسامة التي منحها لي دون أن يعرفني، ودون أن يعرف أنها كانت بالنسبة إليّ شيئًا كبيرًا.
لم يكن يعرف أنني كنت في ذلك اليوم أبحث عن ابتسامة.
لم يكن يعرف أنني رأيت عشرات الوجوه المتعبة، وأنني تساءلت كيف أصبح الجميع هكذا.
لم يكن يعرف أنه، بابتسامته الصغيرة، أجاب عن سؤالٍ لم أجد له جوابًا.
يا صغيري…
لا أعرف من أنت، ولا أعرف من أين جئت، ولا أعرف ماذا ينتظرك في هذه الحياة.
لكنني تمنيت لك الكثير.
تمنيت ألا تكون الحياة قاسيةً عليك بقسوة ذلك الشتاء.
وتمنيت ألا تكون قلوب من حولك أبرد من هذا الهواء.
تمنيت أن تجد دائمًا من يراك، ومن يحميك، ومن يمد إليك يده حين تحتاج إليها.
تمنيت أن تكبر في أمان، وأن تبقى في داخلك مساحة لا تستطيع الحياة أن تصل إليها بقسوتها.
مكانًا صغيرًا تظل فيه تلك البراءة التي رأيتها اليوم.
وأن تظل قادرًا على الابتسام، حتى عندما تصبح الحياة أكثر تعقيدًا.
لن تعرف أبدًا أنك كنت، في ذلك اليوم، أكثر شخصٍ أراح قلبي دون أن يقول كلمة.
كنت غريبًا عني، ومع ذلك ابتسمت لي كأنك تعرفني.
وربما كانت تلك أجمل مفارقة في الأمر كله…
أنني كنت أبحث عن ابتسامة بين الناس، فوجدتها في قلبٍ لم يعرف الناس بعد.
وجدتها في وجهٍ صغير لم يتعلم بعد كيف يحذر، ولا كيف يخاف، ولا كيف يخفي ما يشعر به.
وجدتها على رصيفٍ بارد، في يومٍ كانت فيه كل الوجوه تبدو متعبة.
ولهذا بقيت ابتسامتك معي.
ربما لأنني لم أرَ فيها مجرد ابتسامة طفل…
رأيت فيها شيئًا كنت أبحث عنه في ذلك اليوم كله:
بقايا الفرح التي لم تستطع الحياة أن تأخذها منا بعد.
رفقًا أيتها الحياة…
رفقًا بقلوبٍ أنهكها بردُ القلوب وقسوتها.
ورفقًا بنا جميعًا…
لعلنا نكون لبعضنا رحمةً حين تشتد الأيام، وحبًا حين يقلّ الدفء، وحنانًا حين يثقل القلب، ووفاءً حين يصبح الوفاء نادرًا.
فلنكن ألين على بعضنا، وأصدق في مشاعرنا، وأرحم بقلوبٍ لا نعرف كم عانت قبل أن تلتقي بنا.
لعل كلمةً طيبة، أو حضنًا صادقًا، أو ابتسامةً من القلب، تعيد إلى روحٍ ما شيئًا من النور الذي أطفأته الأيام.
فربما لا نعرف أبدًا كم يحتاج قلبٌ عابرٌ في طريقنا إلى قليلٍ من الرحمة…
وكم يمكن لحنانٍ صادق أن يعيد إلى وجهٍ متعب ابتسامته.
رفقًا ببعضنا…
لعل البسمة التي بحثتُ عنها بين الوجوه،
تعود يومًا إلى كل القلوب. ❤️


.jpeg)

هناك تعليقان (2):
ابتسامة على رصيف القسوة
أحيانًا لا تأتي الحياة لتمنحنا إجابة، بل ترسل إلينا ابتسامة صغيرة في أكثر الأماكن قسوة.
على رصيفٍ بارد، وبين وجوهٍ أنهكها الطريق، وجدتُ ابتسامة رضيع لم يعرف بعدُ شيئًا عن قسوة العالم. كانت ابتسامته أصدق من كثيرٍ من الكلمات، وأعمق من كل الإجابات التي كنت أبحث عنها.
ربما كانت الحياة تقول لي، دون أن تنطق:
لا تزال هناك براءة لم تفسد، وفرح لم ينطفئ، ورحمة يمكن أن تبدأ من ابتسامة.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أرى الابتسامة مجرد انحناءة عابرة على وجهٍ ما؛ صرت أراها مقاومةً هادئة لقسوة العالم.
فربما لا نستطيع أن نغيّر الحياة كلها، لكننا نستطيع ألا نكون سببًا في زيادة قسوتها.
ابتسموا… فقد تكون ابتسامتكم، ذات يوم، الشيء الوحيد الذي ينقذ قلبًا متعبًا.
أحيانًا لا نحتاج إلى حدثٍ كبير كي نستعيد شيئًا من الفرح؛ تكفي ابتسامة صغيرة، على رصيفٍ بارد، لتذكّرنا أن في الحياة شيئًا لم تستطع القسوة أن تنتزعه منّا بعد. ❤️
إرسال تعليق