حين تُصغي الروح إلى الكون ✨
ثمة أشياء لا تُرى، ومع ذلك نشعر بحضورها.
وثمة أسرار لا تُقال، لأن اللغة أضيق من أن تحتويها.
ربما كان بين الروح والكون عهدٌ قديم، لا نتذكر متى بدأ، ولا كيف نُقش في أعماقنا... لكننا نشعر به كلما أطلّ الفجر، وكلما انسكب ضوء القمر على وجه الماء، وكلما مرّت نسمة تحمل عطر زهرة، أو هبّت ريح فحرّكت أغصان شجرة كأنها تهمس بسرّ بعيد.
كأن في هذا الوجود لغة خفية، تُكتب بالنور والظل، بالمطر والندى، وبصمت الأشياء حين تكون الروح مستعدة للإصغاء.
ولعلنا لا نقترب من الطبيعة لنراها فقط...
بل لنستعيد شيئًا ضاع منا في الطريق.
في أعماقنا يتوق دائمًا إلى الاقتراب منها، كأن الروح تعرف سرًا لا تعرفه اللغة، وتجد في جمال الكون صدىً لشيء يسكنها.
وربما لهذا نشعر، حين نقترب من الطبيعة، أننا لا نذهب إليها لنرى الجمال فحسب، بل لنستعيد شيئًا غاب عنا وسط ضوضاء الحياة.
هناك سرّ خفي يربط الروح بكل ما حولها؛ بالشجرة التي تصمت وهي تكبر، بالزهرة التي تفتح قلبها للنور، بالماء وهو يمضي دون أن يسأل إلى أين، وبالطيور حين تشدو كأنها تعرف من أسرار الوجود ما عجزنا نحن عن إدراكه.
حين نصغي حقًا، لا تعود الطبيعة صامتة.
نسمع في حفيف الأوراق حديثًا لا يحتاج إلى كلمات، وفي خرير الماء حكمة السير، وفي المطر رحمة تهبط على الأرض، وفي الغروب درسًا عن الأشياء الجميلة التي تعرف كيف ترحل دون ضجيج.
وربما لم نُخلق لنملأ العالم بالكلام طوال الوقت، بل لنتعلم أحيانًا كيف نصغي.
نصغي إلى الكون... إلى إيقاعه الخفي، إلى أنفاسه، إلى ذلك الجمال الذي يمر بنا كل يوم ولا نراه لأن أعيننا مشغولة بما هو عابر.
في كل زهرة آية، وفي كل نجمة معنى، وفي كل فجر وعد جديد بأن النور لا يغيب، وإن غاب عن أعيننا لبعض الوقت.
وحين نتنفس عبير الأرض بعد المطر، أو نترك نسمة المساء تعبر أرواحنا، نشعر بشيء يشبه العودة... لا إلى مكان، بل إلى ذواتنا الأولى؛ إلى ذلك الجزء النقي فينا الذي لم تفسده ضوضاء العالم.
لعل الطبيعة لا تمنحنا شيئًا جديدًا، بل تذكّرنا بما نسيناه.
تذكّرنا أن الروح تحتاج إلى فسحة من الصمت، وأن القلب لا يستطيع أن يسمع صوته وسط هذا الضجيج كله.
ربما آن للروح أن تستريح قليلًا...
أن تخرج من ازدحام الأيام، وأن تخلع عنها أثقالها، وأن تمشي تحت السماء بلا سؤال، وتتنفس عبير الزهور، وتتأمل القمر، وتصغي إلى الليل حين يتحدث بلغة لا يفهمها إلا من هدأ قلبه.
فكلما اقتربنا من الطبيعة، اقتربنا من ذلك السر.
وكلما هدأ فينا ضجيج العالم، أصبحنا أكثر قدرة على سماعه.
ذلك السر الذي ربما لم يكن بعيدًا عنا يومًا...
كان يسكن فينا، وكان ينتظر فقط أن نصمت قليلًا كي نسمعه.