سر لا تعرفه اللغة
ثمة صلة خفية بين الإنسان والكون، لا تبدأ حين نلتقي بالطبيعة، ولا تنتهي حين نبتعد عنها؛ كأنها شيء أقدم من الوعي نفسه، يسكن في أعماقنا دون أن نعرف له اسمًا.
نحن لا ندري لماذا يلامسنا ضوء الفجر، أو يوقظ المطر فينا حنينًا غامضًا، أو يجعلنا صوت طائر نتوقف لحظة عن كل ما حولنا... لكننا نشعر أن شيئًا في داخلنا قد تعرّف على شيء في الخارج.
وربما كان ذلك هو السر...
سرّ لا تعرف اللغة كيف تقوله، ولا الحواس كيف تفسره، وإنما تعرفه الروح حين تصمت.
ربما لم تكن علاقتنا بالطبيعة يومًا علاقة عابرة بين إنسان ينظر إلى الأشياء من حوله، بل كانت صلة أقدم من الكلمات، وأعمق من أن تفسرها الحواس وحدها.
كأن بين الروح وهذا الكون عهدًا خفيًا؛ كلما ابتعدنا عنه، شعرنا بشيء من الغربة، وكلما عدنا إليه، أحسسنا أننا نعود إلى مكان نعرفه، رغم أننا لم نغادره قط.
في الطبيعة شيء يشبه المرآة... لكنها لا تعكس وجوهنا، بل تكشف لنا ما تراكم في أعماقنا.
فحين نتأمل شجرة صامتة، أو نصغي إلى الماء، أو نتابع انطفاء النهار في حضن الغروب، لا نرى المشهد وحده؛ بل نلمس معنى يتجاوز المشهد.
ربما لأن الجمال ليس في الأشياء وحدها، وإنما في السر الذي يجعلها تصل إلى أرواحنا.
لماذا تهزنا أغنية طائر؟
ولماذا يوقظ المطر فينا حنينًا لا نعرف مصدره؟
ولماذا تستطيع رائحة زهرة أن تفتح في القلب بابًا إلى زمن بعيد؟
لعل في داخل الإنسان ذاكرة أعمق من ذاكرة العقل، ذاكرة لا تحفظ الأحداث، بل تحفظ الإحساس.
ولهذا، حين نخرج قليلًا من ضوضاء العالم، ونمنح أرواحنا فرصة للصمت، تبدأ الأشياء من حولنا في استعادة أصواتها.
نسمع ما لم نكن نسمعه، ونرى ما كان أمام أعيننا طوال الوقت، ونشعر بأن الكون ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل رسالة مفتوحة، وآيات متتابعة، ولغة سرية بين الخالق والروح.
وربما كانت حكمتنا الأولى بسيطة جدًا:
أن نتوقف أحيانًا عن الركض خلف العالم،
وأن نجلس تحت سماء واسعة،
نتنفس عبير الأرض،
ونصغي...
ففي لحظة صفاء واحدة، قد تقول لنا الطبيعة ما عجزت آلاف الكلمات عن قوله:
أن السكينة ليست في أن يتغير العالم من حولنا، بل في أن تهدأ الروح بما يكفي لتسمع ما كان يُقال لها منذ البداية.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق