تراتيل روح
زلازل لا يسمعها أحد
ليس كل زلزالٍ تهتزّ له الأرض…
هناك زلازل تحدث في أعماقنا، لا يسمعها أحد، ولا تسقط بسببها جدران، ولا تركض الناس إلى الشوارع مذعورة…
ومع ذلك، قد ينهار داخل الإنسان عالمٌ كامل.
زلزالٌ واحد في الروح قد يغيّر شكل الحياة كلها؛
يجعل الأشياء التي كانت تمنحنا الأمان تبدو فجأةً غريبة، ويترك في القلب خوفًا لا يعرف كيف يشرحه، وصمتًا لا يملك أحد مفاتيحه.
في الزلازل التي تضرب الأرض، يرى الجميع الخوف في الوجوه، ويرون الركام، ويسمعون الصراخ…
أما حين تهتز الروح، فقد يبقى الإنسان جالسًا في مكانه، هادئ الملامح، يجيب، يبتسم، ويبدو كأن شيئًا لم يحدث…
بينما في داخله، كانت الأرض كلها تهتز.
في الزلزال الخارجي، نعرف أين الخطر.
نرى الجدران تتشقق،
والأشياء تسقط،
والناس يركضون بحثًا عن الأمان.
أما الزلزال الذي يحدث في الداخل، فلا نعرف أين بدأ، ولا أين سينتهي.
قد يكون كلمةً واحدة.
خذلانًا.
فقدًا.
رحيل شخصٍ لم نكن مستعدين لغيابه.
حقيقةً اكتشفناها متأخرين.
أو تراكم سنوات كاملة من الألم، حتى جاء يومٌ لم يعد القلب قادرًا فيه على حمل المزيد.
وفجأة…
ينهار شيء فينا.
ليس بالضرورة أن نبكي.
أحيانًا يكون الانهيار أكثر هدوءًا من ذلك.
نصبح أقل كلامًا.
أقل حماسًا.
نضحك، لكن شيئًا في ضحكتنا لا يصل إلى القلب.
نجلس بين الناس، ونشعر أننا بعيدون عنهم آلاف الأميال.
وقد نكون بجوار أقرب شخص إلينا، ومع ذلك نعجز عن قول:
"أنا أتألم."
ليس لأننا لا نريد أن نتكلم…
بل لأننا لا نعرف كيف نصف ما حدث.
كيف تشرح للآخرين أن شيئًا لم يحدث أمام أعينهم، لكنه حدث في داخلك؟
كيف تقول لهم إنك استيقظت ذات يوم، فوجدت نفسك شخصًا آخر؟
أن الأشياء التي كانت تعني لك الكثير لم تعد تعني شيئًا؟
أن قلبك لم يعد يعرف أين يضع خوفه؟
لهذا…
هناك أناس يعيشون زلازلهم في صمت.
يمرون بيننا كل يوم.
يعملون.
يتحدثون.
يضحكون.
يطمئنون الآخرين عليهم.
ثم يعودون إلى غرفهم، ويجلسون وحدهم أمام ذلك الركام الذي لا يراه أحد.
وهنا تكمن قسوة الزلزال الداخلي:
أن العالم قد لا يشعر به، حتى أقرب الناس إليك.
في الزلزال الذي يهز الأرض، يصرخ الإنسان، فيعرف الجميع أنه خائف.
أما في زلزال الروح، فقد يبتلع الإنسان صرخته، ويضع ابتسامة على وجهه، ثم يقول:
"أنا بخير."
وهو ليس بخير.
لقد حدثت في داخله كارثة كاملة…
لكنها بلا صوت.
ومع ذلك، لا تبقى الروح مكسورة إلى الأبد.
فالروح، رغم هشاشتها، تعرف شيئًا عجيبًا اسمه الترميم.
لا تعود كما كانت تمامًا…
لكنها تتعلم أن تحمل ندوبها دون أن تخجل منها.
تتعلم أن بعض الأشياء لا يمكن إصلاحها، وأن بعض الأشخاص لا يمكن استعادتهم، وأن بعض الأبواب أُغلقت لحمايتنا، لا لمعاقبتنا.
وتتعلم أيضًا أن الشفاء ليس أن تنسى ما حدث…
بل أن تتذكره يومًا، دون أن تشعر أن قلبك ينهار من جديد.
الترميم يبدأ أحيانًا من أشياء صغيرة جدًا.
من نومٍ هادئ بعد ليالٍ طويلة.
من دمعةٍ سمحت لنفسك أخيرًا أن تسقط.
من شخصٍ جلس بجانبك دون أن يطالبك بالكلام.
من دعاءٍ قلته وأنت لا تعرف ماذا تقول.
من لحظةٍ قررت فيها أن تتوقف عن لوم نفسك على شيء لم يكن بيدك.
ومن صباحٍ جديد…
تفتح فيه عينيك، وتكتشف أن الألم ما زال موجودًا، لكنه لم يعد يملكك كما كان.
ثم يأتي يوم…
تنظر فيه إلى نفسك القديمة، وتفهم شيئًا لم تكن قادرًا على فهمه وقتها:
أنك لم تكن ضعيفًا لأنك انهرت.
كنت إنسانًا.
وأن نجاتك لم تكن في أنك بقيت واقفًا طوال الوقت…
بل في أنك، كلما سقطت، حاولت أن تجمع نفسك من جديد.
ولعل الزلازل التي تحدث في العالم تذكّرنا بهذا كله.
حين تهتز الأرض، نرى الإنسان يركض نحو الإنسان.
يبحث عن أمه.
عن أبيه.
عن طفله.
عن صديقه.
عن أي يدٍ يعرفها.
فحين يفقد الإنسان شعوره بالأمان، لا يبحث عن الأشياء أولًا…
بل يبحث عن إنسان.
ولهذا ربما علينا أن ننتبه أكثر إلى بعضنا.
أن نسأل من نحب:
"كيف حالك حقًا؟"
لا أن نكتفي بالسؤال العابر.
لأن كلمة "بخير" ليست دائمًا حقيقة.
بعض الناس يقولونها لأنهم لا يريدون أن يثقلوا على أحد.
وبعضهم يقولونها لأنهم تعبوا من شرح ما لا يمكن شرحه.
وبعضهم لا يقولون شيئًا…
لأنهم اعتادوا أن ينجوا وحدهم.
فكن رحيمًا بمن حولك.
قد لا تعرف المعركة التي يخوضها الشخص الذي أمامك.
قد ترى ابتسامته ولا ترى ارتجاف قلبه.
قد تسمع صمته ولا تعرف أنه في داخله يصرخ.
قد تراه قويًا…
بينما هو فقط يحاول ألا يسقط أمام أحد.
فليس كل من نراه واقفًا قد نجا.
وليس كل من يبتسم آمنًا.
وليس كل صامت هادئًا.
بعضهم فقط…
يحاول أن ينجو من زلزالٍ لم يشعر به أحد .
صفاء داود
أثرٌ من روح
#زلازل_الروح #تراتيل_روح #صفاء_داود


هناك تعليق واحد:
أحيانًا لا نحتاج إلى من يُنقذنا من الزلزال…
بل إلى من يجلس بجانبنا بصمت، حتى تهدأ الأرض في داخلنا.
فأصعب الزلازل تلك التي لا يراها أحد، وأجمل النجاة أن نجد قلبًا يشعر بنا دون أن نضطر إلى شرح الركام.
صفاء داود
نكتب لنحفظ ما تبقى من إنسانية القلب
إرسال تعليق