و كفاية تكون إنسان فى زمان طيبة القلب بتتعيب يا طيب
إلى الرجل الذي أرهقته طيبته
ليست هذه الكلمات استرجاعًا لذكرى، ولا حنينًا إلى تجربة مضت، بل هي شهادة حق لكل رجلٍ حمل قلبًا نقيًا في زمنٍ عزَّ فيه الوفاء. هي رسالة إلى كل من أُهين صدقه، واستُغل إخلاصه، وظن يومًا أن طيبته كانت سبب خسائره.
قبل سنوات، كُتب نصٌّ بعنوان «بيع القلب»، صوّر قلبًا أثقله الوجع حتى بدا وكأنه معروضٌ في مزاد، لا لأنه فقد قيمته، بل لأن صاحبه لم يعد يحتمل ما يحمله من خيبات. لم يكن ذلك النص يحكي قصة شخص بعينه، بل كان يعبّر عن حالة إنسانية يمر بها كثيرون، حين يختلط عليهم الألم حتى يظنوا أن المشكلة في قلوبهم، لا فيمن أساء إليها.
لكن الزمن يكشف دائمًا ما تعجز اللحظة عن رؤيته. فالقلب الطيب لم يكن يومًا موضع الاتهام، ولم يكن نقاؤه هو سبب انكساره، بل كانت المشكلة في أيدٍ لم تعرف قيمة الوفاء، ولم تُحسن حفظ ما وُهب لها.
إليك... يا صاحب القلب الذي لم يصدأ.
أعلم أن الحياة أثقلتك، وأن الخذلان ترك في روحك ندوبًا لا يراها أحد. وأعلم أن لحظاتٍ كثيرة راودك فيها شعورٌ بأن طيبتك كانت ثغرة، وأن صدقك كان ضعفًا استغله الآخرون.
لكن الحقيقة غير ذلك.
فالندم على النبل هو الخسارة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها. لأنك إن خسرت بعض الناس، فقد تكسبهم الأيام، أما إن خسرت إنسانيتك فلن يعيدها إليك شيء.
لقد قيل يومًا عن هذا القلب إنه «عمره ما هيتوب»، واليوم أرددها بيقينٍ أكبر: إياك أن تتوب عن إنسانيتك.
أن تبقى رحيمًا بعد كل طعنة، وأن تظل وفيًا رغم الخذلان، وأن تختار الصدق في زمن التلوّن... فهذه ليست سذاجة، بل شجاعة لا يمتلكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
فالقوة ليست في أن تتقن الإيذاء، ولا في أن ترد الإساءة بالإساءة، بل في أن تمتلك القدرة على البقاء نقيًا، بينما يحاول العالم أن يقنعك بأن النجاة لا تكون إلا بالتشبه بالقساة.
إن القدر الذي اختبرك بهذا الألم لم يكن يعاقبك، بل كان يكشف معدنك. فالأزمات لا تصنع الأخلاق، بل تُظهرها. ولذلك خرج بعض الناس من محنهم أكثر قسوة، بينما خرجت أنت أكثر فهمًا ورحمةً ونضجًا.
لا تجعل الخذلان يدفعك إلى استعارة أخلاق من خذلوك. فالسمو ليس أن تنتصر عليهم، بل أن تنتصر على نفسك، وأن ترفض أن يتحول الألم إلى حقد، أو الجرح إلى انتقام.
تذكّر دائمًا أنك لم تخسر حين أحببت بصدق، ولا حين وفيت بوعدك، ولا حين كنت سندًا لمن احتاجك. الخسارة الحقيقية كانت من نصيب أولئك الذين فرّطوا في قلبٍ كان يمكن أن يكون وطنًا لهم.
يا صاحب القلب الطيب...
لا تطفئ نورك لأن غيرك اختار الظلام، ولا تهدم قيمك لأن بعض الناس لم يعرفوا قيمتها. فالأشجار المثمرة لا تتوقف عن الإثمار لأن أحدهم رماها بالحجارة، والشمس لا تمتنع عن الشروق لأن هناك من يفضّل العتمة.
ابقَ كما أنت؛ قويًا بأخلاقك، عزيزًا بمبادئك، ونقيًا بقلبك. فطيبتك ليست نقطة ضعف، بل آخر معاقل القوة في عالمٍ يتباهى بالقسوة.
وإذا كان لا بد للإنسان أن يُعرف بشيء بعد رحيله، فليُعرف بأنه كان رجلًا حافظ على قلبه نقيًا، رغم كل العواصف ا
صفاء داود
كلماتٌ تؤمن أن الطيبة لا تُهزم.
هناك تعليقان (2):
قد يخسر الرجل الطيب أشخاصًا...
وقد يخسر سنواتٍ من عمره...
لكنه إذا حافظ على نقاء قلبه، وربح احترامه لنفسه، فلم يخسر المعركة.
فالانتصار الحقيقي ليس أن تغيّرك الحياة...
بل أن تعلّمك، دون أن تنتزع منك إنسانيتك.
صفاء داود
كلماتٌ تؤمن أن الطيبة لا تُهزم.
ليس كل رجلٍ صامتٍ ضعيف...
فبعض الرجال اختاروا أن يحملوا وجعهم بصمت، حتى لا يورثوا غيرهم ألمًا لم يكن لهم ذنب فيه.
وهؤلاء، وإن لم يتحدث التاريخ عن معاركهم، فقد انتصروا في أصعب معركة...
أن يبقوا أوفياء لأخلاقهم، حين كان التخلي عنها أسهل الطرق.
صفاء داود
كلماتٌ تؤمن أن الطيبة لا تُهزم.
إرسال تعليق