الثلاثاء، 28 يوليو 2026

ترانيم روح قصائد ممنوعة

 ترانيم روح 


هذه ليست خاطرة عن رجلٍ أو امرأة، بل عن الكلمة حين تُحاصَر، وعن القصيدة حين تُحمَّل ما لم تقله


قبل أن تقرأوا... أرجو أن تتركوا الأحكام المسبقة خارج النص، وتدخلوا إليه بعيون القارئ، لا بعيون القاضي.


 


قصائد ممنوعة


يقولون: لا تكتبي عن الحب.


وكأن الحبَّ تهمة، إذا خرج من قلب امرأة، وفضيلة إذا أنشد بها رجل.


كم هو غريب أن يُصفَّق للشاعر وهو يملأ الدنيا غزلًا، ويُعدَّ شاعرًا رقيق الإحساس، ثم تُحاكَم المرأة إن كتبت بيتًا واحدًا عن الشوق، أو اعترفت بأن لقلبها نبضًا، وكأن الحب خُلِق للرجال وحدهم، أما النساء فمطلوب منهن أن يشعرن في صمت، وأن يحببن في الخفاء، وأن يدفنَّ القصائد قبل أن تولد.


ليس الشعر اعترافًا بشخص، ولا إعلانًا عن قصة، بل هو اعتراف بإنسانيتنا. والحب ليس دائمًا حبيبًا بعينه؛ فقد يكون حنينًا، أو أمنية، أو ذكرى، أو فكرة، أو صورة نسجها الخيال. والشاعر، رجلًا كان أو امرأة، يكتب ما يشعر به، وما يتخيله، وما يراه في الناس والحياة.


وليس بالضرورة أن يكون كل شعورٍ نكتبه تجربةً عشناها. فالأديب يمتلك القدرة على أن يتقمص شخصياتٍ مختلفة، وأن يكتب بلسانها، وأن يمنحها صوته ومشاعره. قد يكتب عن الفقد وهو لم يفقد، وعن الحرب وهو لم يحمل سلاحًا، وعن الحب وهو يرسم صورةً إنسانية أو خيالًا أدبيًا. فهل نحاسب الخيال كما نحاسب الواقع؟


العجيب أننا لا نستغرب حين يكتب شاعرٌ على لسان امرأة، فيصف خفقان قلبها ودموعها ولهفتها، ويُصفَّق له لأنه أتقن التصوير. أما إذا كتبت امرأة عن الحب بصوتها، أو حتى بصوت شخصية من خيالها، سارعت بعض العيون إلى التفتيش عن اسم الرجل الذي تقصده، وكأن القصيدة محضرُ تحقيق، لا عملٌ أدبي.


كثيرون ينسون أن الأدب ليس سيرةً ذاتية، وأن الكاتب لا يعيش بالضرورة كل ما يكتب. فالمخيلة جزء من الإبداع، والقصيدة ليست وثيقةً تُثبت واقعة، بل مساحةٌ يلتقي فيها الشعور بالخيال.


لماذا نخاف من قلم المرأة أكثر مما نخاف من قسوة الأحكام؟ ولماذا نربط شرفها بما تكتبه، ولا نربط أخلاق الإنسان بما يفعله؟


إن الأدب لا يعرف جنسًا، ولا يفرّق بين قلب رجل وقلب امرأة. فالمشاعر لا تستأذن أصحابها قبل أن تولد، والقصائد لا تُقاس بجنس كاتبها، بل بصدقها وجمالها.


ربما ليست المشكلة في قصائد الحب، بل في نظرةٍ لا تزال تظن أن صوت المرأة يجب أن يُسمَع حين يرضي الآخرين، وأن يصمت حين يعبّر عنها.


أيتها المرأة...


اكتبي... ولا تخجلي.


اكتبي عن الحب، كما تكتبين عن الوطن، والأم، والطفولة، والحنين.


اكتبي عن الحب العذري، ذاك الذي يحترم الروح قبل الجسد، ويعانق القلب قبل العين، ويؤمن بأن أسمى المشاعر هي التي تُبنى على الاحترام والصدق والوفاء.


اكتبي، ولا تجعلي الخوف من سوء الفهم يسجن قلمك. فليس كل نصٍ اعترافًا، وليس كل قصيدةٍ سيرةً ذاتية، وليس كل شعورٍ نكتبه قد مررنا به.


لا تخجلي من قصيدةٍ وُلدت من قلبٍ صادق، ولا من كلمةٍ لم تؤذِ أحدًا، ولم تنتقص من كرامة أحد.


فالمشكلة ليست في الحب، بل فيمن لا يفهم معناه، ويظن أن كل قصيدة اعتراف، وكل بيت شعر حكاية، وكل نبضة قلب تهمة.


اكتبي... فالكلمات الطاهرة لا تُسيء إلى المرأة، بل ترفع شأنها، وتكشف رهافة روحها، وتُثبت أن الحب، حين يكون عفيفًا، هو أحد أجمل وجوه الإنسانية.


وستظل هناك قصائد تُسمّى "ممنوعة"، لا لأنها تخدش الحياء، بل لأنها كسرت حاجز الخوف، وأثبتت أن للمرأة قلبًا، وللقلب حقًّا في أن يتكلم.


ويبقى السؤال...


هل سيظل الخوف من سوء الفهم يقيد أقلامنا، ويجعل قصائدنا حبيسة الأدراج؟


أم آن الأوان أن نطلق سراح قصائدنا الممنوعة، ليعرف العالم أن قلم المرأة حين يكتب عن الحب، لا يكتب ابتذالًا، ولا يخدش الحياء، ولا ينتقص من كرامتها، بل يكتب حبًا عفيفًا، يسمو بالروح، ويحترم العقل والقلب.


فالحب ليس عيبًا، والكلمة الصادقة ليست تهمة، والأدب لا يُقاس بجنس كاتبه، وإنما بما يحمله من صدقٍ وجمال.


فلنترك للقصائد حقها في أن تُقرأ أدبًا... لا أن تُحاكم باعتبارها اعترافًا.


صفاء داود 

.


#قصائد_ممنوعة #منارة_صفاء_للسكينة #إمضاء_صفاء_داود #الحب_العذري #قلم_امرأة #الخاطرة_الأدبية

هناك تعليق واحد:

صفاء يقول...

هذا النص ليس دفاعًا عن الحب، بل دفاعٌ عن حق الأدب في أن يُقرأ أدبًا، لا أن يُحاكَم على افتراضاتٍ لا يقولها النص.
صفاء داود