الجمعة، 3 يوليو 2026

امتحان الكمياء بيانات مطمئنة... ولكن لمن؟!

 بيانات مطمئنة... ولكن لمن؟!


للأسف، لم يعد ما يحدث بعد امتحان الكيمياء في الثانوية العامة مشهدًا استثنائيًا، بل أصبح مشهدًا يتكرر عامًا بعد عام. يخرج عدد كبير من الطلاب من اللجان في حالة من الصدمة والانهيار والبكاء، وتتوالى شهادات أولياء الأمور والمعلمين، وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن صعوبة الامتحان وضيق الوقت، بينما تصدر البيانات الرسمية سريعًا لتؤكد أن الامتحان "مطابق للمواصفات" وأن سير الامتحانات يسير بصورة منتظمة.


لكن امتحان الكيمياء هذا العام، على وجه الخصوص، أثار حالة واسعة من الجدل، ولم يقتصر الأمر على آراء الطلاب وأولياء الأمور، بل رصدت بعض الصحف والمواقع الإخبارية آراءً لعدد من المتخصصين في المادة، رأى بعضهم أن الامتحان تضمن أسئلة أعلى من المستوى المتوسط بالنسبة لشريحة كبيرة من الطلاب، وأن الزمن المخصص لم يكن كافيًا لإنهاء جميع الأسئلة. وإذا كانت هذه الآراء، إلى جانب ما عبّر عنه الطلاب، قد أثارت كل هذا الجدل، فإن الأمر يستحق مراجعة علمية وموضوعية، لا الاكتفاء ببيانات مطمئنة.


وهنا نتساءل بكل منطق: تصريحاتكم المطمئنة هذه موجهة لمن بالضبط؟ هل يدّعي الطلاب صعوبة الامتحان دون سبب؟ وهل مئات الآلاف من الأسر المصرية التي تعيش ساعات من القلق والخوف بعد كل امتحان تختلق أزمة من فراغ؟


والسؤال الأهم: كيف أصبح هذا المشهد يتكرر كل عام دون أن يدفع إلى مراجعة حقيقية؟ كيف لا تستدعي دموع الطلاب وشكاواهم، ومعها آراء عدد من المعلمين والمتخصصين، وقفة جادة لتقييم ما يحدث؟ ولماذا يكون الرد المعتاد دائمًا أن كل شيء يسير بصورة طبيعية، بينما الواقع الذي يعيشه الطلاب يحكي قصة مختلفة؟


لسنا ضد الامتحانات التي تقيس مستوى الطالب الحقيقي، ولسنا ضد وجود أسئلة تميز بين مستويات الطلاب، ولكننا نطالب بأن تكون الامتحانات عادلة، وأن يتناسب مستوى الأسئلة مع الزمن المخصص، وأن يكون التقييم معبرًا عن الفهم الحقيقي، لا عن القدرة على تجاوز ضغط الوقت فقط.


ومن أبرز القضايا التي تحتاج إلى إعادة نظر، تطبيق نظام "البابل شيت" (الاختيار من متعدد) بالطريقة نفسها على جميع المواد، رغم اختلاف طبيعة كل مادة.


فقد يكون نظام الاختيار من متعدد مناسبًا إلى حد كبير في المواد الأدبية، كما أنه يصلح لقياس الأسئلة النظرية والمفاهيم الأساسية في المواد العلمية. أما المسائل الحسابية في الكيمياء والفيزياء والرياضيات، فلها طبيعة مختلفة تمامًا، لأنها لا تقيس حفظ المعلومات، بل تقيس التفكير العلمي، وتحليل المعطيات، واختيار القانون المناسب، ومنهجية الوصول إلى الحل.


فهل يُعقل أن يقضي الطالب وقتًا طويلًا في حل مسألة معقدة، ويختار القانون الصحيح، ويطبق خطوات الحل بصورة سليمة، ثم يرتكب خطأً حسابيًا بسيطًا في الناتج الأخير، فيفقد الدرجة كاملة لأن التصحيح الإلكتروني لا يرى سوى الإجابة النهائية؟ أين العدالة في ذلك؟


إن احتساب درجات على خطوات الحل ليس تراجعًا عن التطوير، بل هو التطبيق الحقيقي للعدالة التعليمية. فمن حق الطالب أن يُكافأ على فهمه الصحيح، وعلى طريقته العلمية السليمة في التفكير، حتى وإن أخطأ في عملية حسابية عارضة. فالمسائل العلمية لا تُقاس برقم نهائي فقط، وإنما بالمنهج الذي أوصل إليه.


إن تطوير منظومة الامتحانات لا يعني فرض أسلوب تقييم واحد على جميع المواد، وإنما اختيار الوسيلة الأنسب لطبيعة كل مادة، بحيث يكون الاختيار من متعدد فيما يناسبه، بينما تُصحح المسائل العلمية على خطوات الحل، كما هو معمول به في كثير من النظم التعليمية التي تهدف إلى قياس الفهم لا مجرد اختيار إجابة صحيحة.


إن مراجعة منظومة التقييم ليست اعترافًا بالفشل، بل هي دليل على احترام الدولة لأبنائها، وإيمانها بأن أي نظام قابل للتطوير كلما ظهرت ملاحظات تستحق الدراسة. فالأنظمة التعليمية الناجحة تُراجع نفسها باستمرار، وتستمع إلى الطلاب والمعلمين والخبراء، لأن الهدف هو الوصول إلى أفضل نظام ممكن، لا الاكتفاء بالدفاع عن النظام القائم.


هذه ليست قضية درجات فقط، بل قضية مستقبل، وعدالة، وثقة في منظومة التعليم. فالطالب الذي يشعر بأن مجهوده مقدر، وأن الامتحان منحه فرصة عادلة لإظهار مستواه، سيظل مؤمنًا بالعدالة التعليمية. أما إذا شعر أن عامًا كاملًا من الاجتهاد قد يضيع بسبب ضيق الوقت أو خطأ حسابي بسيط، فإن أول ما يفقده ليس الدرجة، بل ثقته في منظومة التقييم.


إن آلاف الأسر المصرية لا تطلب امتيازات لأبنائها، ولا تطالب بامتحانات سهلة، وإنما تطالب فقط بالإنصاف، وبأن يكون الامتحان وسيلة حقيقية لقياس العلم، لا سببًا في تحطيم الأحلام واستنزاف أعصاب الطلاب وأولياء الأمور.


ملحوظة: هذا ليس منشورًا سياسيًا، ولا يستهدف توجيه الاتهامات أو إثارة الجدل، وإنما هو صرخة اجتماعية وإنسانية تعبّر عن نبض الشارع المصري، وعن معاناة آلاف الطلاب وأولياء الأمور، ودعوة صادقة إلى مراجعة منظومة تقييم الامتحانات بما يحقق العدالة ويحفظ حق كل طالب في أن يُقيَّم على فهمه واجتهاده، لا أن يضيع مجهوده بسبب آلية تصحيح قد لا تعكس مستواه الحقيقي.

صفاء داود 

كلمات تضيء الطريق 


#امتحانات_الثانوية_العامة #امتحان_الكيمياء #البابل_شيت #تطوير_نظام_التقييم #العدالة_في_التعليم #وزارة_التربية_والتعليم #وزير_التربية_والتعليم #محمد_عبد_اللطيف #مجلس_الوزراء_المصري #مجلس_النواب_المصري #لجنة_التعليم #حق_الطالب #

#أنقذوا_طلاب_الثانوية #التعليم_المصري

ليست هناك تعليقات: