الخميس، 2 يوليو 2026

قلب بلا ذاكرة

 قلبٌ بلا ذاكرة


بين عجز العقل وقسوة الوجدان


بين عقلٍ انطفأت مصابيحه رغماً عنه، وقلبٍ أوصد نوافذه باختياره، تقف الإنسانية حائرة؛ فليس كل نسيانٍ سواء، وليس كل فقدٍ للذاكرة سواء. هناك نسيانٌ يفرضه المرض فيستدر الرحمة، ونسيانٌ يفرضه الجحود فيستحق الأسى.


ما أقسى أن تجلس أمام إنسانٍ أنهكه ألزهايمر حتى سُلِبت منه ذاكرته! تنظر في عينيه البريئتين فلا تجد صدىً لاسمك، ولا أثرًا لأمسٍ جمعكما، ولا ذكرى لضحكةٍ تقاسمتماها، أو موقفٍ شدّ أحدكما أزر الآخر فيه. يمد يده إليك كما لو أنه يلقاك للمرة الأولى؛ لا لأن قلبه تنكر لك، بل لأن المرض سبقه إلى ذاكرته، فمحا منها ما لم يشأ قلبه أن يمحوه.


إنك هنا لا تقف أمام جدارٍ أصم، بل أمام صفحةٍ أعادها القدر إلى بياضها الأول. ترى عطبًا في خلايا الدماغ، وثقبًا أسود ابتلع الأسماء والوجوه والتواريخ، لكنه لم يبتلع الفطرة، ولم ينتزع حاجته إلى الأمان، ولا قدرته على الاطمئنان إلى يدٍ حانية أو ابتسامةٍ صادقة. لقد أطفأ المرض مصابيح ذاكرته، لكنه لم يطفئ إنسانيته.


ذلك نسيانٌ يمزق الأرواح، لكنه بريء من القصد. يجرد الإنسان من تاريخه، ولا يجرده من براءته. يعيده، في كثيرٍ من ملامحه، طفلاً يبحث عن يدٍ تطمئنه، وعن وجهٍ يبتسم له، وعن قلبٍ يحتضنه وإن عجز عن معرفة أصحابه. لذلك تدمع له العيون رحمةً، وتلهج له القلوب بالدعاء؛ لأنه لو استطاع أن يتذكرك لفعل، ولو استطاع أن ينطق باسمك لما بخل به.


لكن المأساة التي تستعصي على المواساة، والوجع الذي لا دواء له، تبدأ حين تصطدم بـ قلبٍ بلا ذاكرة.


قلبٌ أكلت معه خبز الأيام، وتقاسمت معه ملح الدموع، وشهد لك في أيام ضعفك قبل قوتك، وشاركته أفراحك وأحزانك، ثم إذا تبدلت الأحوال، وأقبلت المصالح، أعاد كتابة الماضي بما يخدم حاضره، ومحا من دفاتره كل جميلٍ كان يوماً يرويه بفخر.


هنا لا يكون النسيان مرضاً، ولا يكون العطب في الخلايا، بل في الضمير. لا تغيب الوقائع، وإنما تغيب قيمتها. لا تُمحى الذكريات لأنها فُقدت، بل لأنها أصبحت عبئاً على نفسٍ لم تعد تعرف للوفاء وزناً، ولا للمعروف مكاناً.


إنه الجحود حين يرتدي ثوب النسيان، والخذلان حين يتخفى خلف أعذارٍ واهية لا تصمد أمام ميزان الأخلاق. ينظر إلى تضحيات الأمس كأنها لم تكن، وإلى المعروف كأنه دينٌ سقط بالتقادم، وإلى الوفاء كأنه صفحةٌ يمكن تمزيقها متى شاء. وما أقسى أن يكتشف الإنسان أن بعض القلوب لا تنسى لأنها فقدت الذاكرة، بل لأنها فقدت الامتنان!


العقل بلا ذاكرة يفقد القدرة على استحضار الماضي، أما القلب بلا ذاكرة فيفقد القدرة على حفظ الجميل. الأول يعجز عن تذكر الأسماء، والثاني يعجز عن الوفاء لمعانيها. الأول مأساةٌ تستدر الرحمة لأنه ضحية مرضٍ لا يد له فيه، أما الثاني فامتحانٌ يكشف حقيقة النفوس؛ لأنه اختار أن ينسى ما كان يستطيع أن يتذكره، وأن يهدم ما كان يستطيع أن يصونه.


ولعل الفرق كله يختصره سؤالٌ واحد: هل غابت الذاكرة لأنها عجزت، أم لأنها أرادت أن تغيب؟ ففي الأولى نبكي الإنسان، وفي الثانية نبكي الإنسانية.


فيا رب، إن كان الفقد قدراً لا مفر منه، فاجعل ما يغيب منا ذاكرة العقول، ولا تجعل الذي يجف فينا وفاء القلوب. وارحم من أنهكه ألزهايمر حتى غابت عنه الأسماء والوجوه، وأعن أهله على حمل هذا البلاء بصبرٍ لا ينفد، فهم يعيشون وجعاً يتجدد كل يوم؛ يرون من أحبوا أمام أعينهم لكنهم يغيبون عن ذاكرتهم شيئاً فشيئاً، حتى يصبح اللقاء الأول يتكرر في كل لقاء، ويغدو الاسم الذي كان يوماً أقرب الأسماء إلى القلب غريباً على اللسان.


ولا تبتلِ أحداً بقلبٍ يختار أن يمحو جميل العِشرة، أو يتنكر لسنواتٍ من الوفاء، أو يطوي صفحات المودة بملء إرادته؛ فذاك وجعٌ لا يداويه الزمن، لأنه لا يولد من عجزٍ، بل من قرار.


فالمرض قد يسلب الإنسان ذاكرته، لكنه لا يسلبه إنسانيته، ولا ينتزع من قلبه براءته، ولا يحول بينه وبين استحقاقه للرحمة. أما الجحود، فقد يُبقي الذاكرة عامرةً بالأسماء والوجوه، لكنه يفرغ القلب من الامتنان، ويجعل الوفاء أول ما يُضحّى به حين تتبدل الأحوال.


فإذا كان العقل قد ينسى بغير إرادته، فلا تجعل قلوبنا تنسى بإرادتها. وإذا كانت الذاكرة نعمةً قد يرفعها المرض، فإن الوفاء فضيلةٌ لا ينبغي أن ترفعها المصالح.


فالمرض قد يمحو الأسماء من الذاكرة، لكنه لا يمحو الرحمة من القلب؛ أما الجحود، فيحفظ الأسماء، ثم يمحو أصحابها.


بقلم: صفاء داود

نرسمُ ملامحَها الأولى... ثم تكتبها الحياة


#قلب_بلا_ذاكرة #بين_عجز_العقل_وقسوة_الوجدان #صفاء_داود #منارة_صفاء_للسكينة #أدب_وجداني #خواطر_أدبية #ألزهايمر #الوفاء_والجحود #الذاكرة #الإنسانية #وجع_الوفاء #نبض_الوجدان






هناك تعليق واحد:

صفاء يقول...

ليس كل نسيانٍ وجعًا واحدًا؛ فهناك ذاكرةٌ يهزمها المرض، فتستحق الرحمة، وهناك قلبٌ يهزمه الجحود، فيستحق أن نقف طويلًا أمامه متسائلين: كيف يمحو الإنسان بإرادته ما عجز الزمن عن محوه؟

بين هذين النسيانين وُلد هذا النص... محاولةٌ للتأمل في الفرق بين من خانته ذاكرته، ومن خان وفاءه.

أتركه بين أيديكم، وأتمنى أن تجدوا فيه ما يلامس إنسانيتكم، ويستحق أن يُقرأ بقلبٍ قبل العين.

#قلب_بلا_ذاكرة #بين_عجز_العقل_وقسوة_الوجدان #صفاء_داود #منارة_صفاء_للسكينة